وماذا عسى الواشونَ أن يتحدثواسوى أن يقولوا إنني لك عاشقُ
نعم صدقَ الواشونَ أنتِ حبيبةٌإليَّ وإن لم تَصْفُ منك الخلائقُ
أفَترى الواشين٢ كانوا يَشُون بأنَّه يحب امرأته وجاريته؟ وإنما تلك الأغاني في حريم الناس وأبنائهم، ومدح ما حرَّم٣ الله من الخمر، وتحسين ما قبَّحه من الفجور ودواعيه٤، فتنزيل هذا على محبة الله والشوق إليه، أعظم من تنزيله على من٥ قيل فيه أولًا، وأقرب إلى البعد٦ من سخط الله ومَقْته، ويا لله العجب! أي إيمان يحصل للقلب أو صلاح أو قرب من الله عند قول المغني؟٧:
يا هذه حتَّامَ هجرُكِ والقِلَىجُودي على دَنِفٍ بحبك قد بُلِي
(١) البيتان لمجنون ليلى في ديوانه (ص ٢٠٢)، وينسبان لغيره، انظر تخريجهما في "روضة المحبين" (ص ٤٤).
(٢) ع، ك: "الواشون".
(٣) ع، ك: "حرمه".
(٤) ك: "دعاويه" تحريف.
(٥) ك: "ما".
(٦) كذا في النسخ، ولعل الصواب: "العبد".
(٧) بعدها في ك: "يقول". ولم أجد الأبيات فيما رجعت إليها من المصادر.
(٨) ك: "تذكرت".
وقال الآخر١:
أُعانقها والنفس بعدُ مشوقةٌإليها وهل بعد العِناقِ تَدانِ
[٣٨ أ] وألْثِمُ فاها كي تزولَ صَبابتيفيشتدُّ ما ألقَى من الهَيمان
فإن قال المغني "أعانقه" كان طربُ الحاضرين أكثر، فهل يحل لمن يرجو لله وقارًا، ويعلم أنَّ الله سائلهُ غدًا عما٢ قال وفعل، أن يفتي بأنَّ السماع حلال مطلقًا، وهو يعلم أنَّ هذه البلايا وأضعاف أضعافها فيه؟ هل يطيب السماع عند القوم إلَّا بمدح ما حرَّم الله ورسوله، وذِكْر محاسن المردان والنسوان، والأشعار التي قيلت في حريم المسلمين وأبنائهم؟
فوالله إنَّ بلية الإسلام بهؤلاء من أعظم البلايا، وفي غير٣ سبيل الله كم أُفسِد بالسماع من قلب، وكم سُلِب من نعمة، وكم جُلِب من نقمة، وكم رُكِب به من فرج حرام، وكم استُحِلَّ به من المحارم والآثام، وكم صَدَّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وكم قطع على السالكين طريق٤ النجاة، وكم تهافتتْ٥ به فَراشُ العقول والأحلام في الجحيم، وكم فاتها به من٦ حظها من الله وجنات النعيم؟ تاللهِ ما نصبَ صياد بني آدم مثل هذا
(١) البيتان لابن الرومي. وتخريجهما في "روضة المحبين" (ص ٥٢).