والفقه في الدين أن يُورد١ مثل هذا الكلام؟ وهل هو٢ إلا بمثابة أن يقال: أي مفسدة في الصلاة لله بعد الصبح وبعد العصر حتى يُنهَى عنها؟ وأي مفسدة في تحريم٣ قطرة من الخمر لا تُسكِر ولا تُغيِّب العقل حتى يُحدَّ عليها؟ وأي مفسدة في تحريم الصلاة إلى القبور وفي النهي عن الصلاة فيها؟ وأي مفسدة في النهي عن٤ تقدم رمضان بيوم أو يومين وعن سبِّ آلهة المشركين في وجوههم؟ إلى أضعاف أضعاف هذا مما٥ نهى عنه الشارع سدًّا لذريعة إفضائه٦ إلى المحرم الذي يكرهه ويبغضه، وهل هذا إلا محض حكمته ورحمته وصيانته لعباده وحميته لهم من المفاسد أو أسبابها ووسائلها؟
والعاقل العارف بالواقع يعلم أنَّ إفضاء هذا السماع إلى ما حرَّمه الله ورسوله إن لم يزد على إفضاء النظر فليس بدونه، بل كثيرًا ما يكون إفضاؤه فوق إفضاء الخمر، فإن سُكر الخمر إفاقةُ صاحبه سريعة وسُكر السماع لا يستفيق٧ صاحبه إلا في عسكر الهالكين.
(١) في الأصل: "يردد". والمثبت من ك، ع.
(٢) ك: "هذا".
(٣) "تحريم" ساقطة من ك.
(٤) "النهي عن" ليست في الأصل.
(٥) ع: "إنما".
(٦) ع: "للذريعة لإفضائه".
(٧) ك: "لا يفيق".
فصل
فإن قال هذا المغرور المخدوع: إن سماع هذا الغناء المطرب بهذه الآلات المطربة المزعج للطباع الداعي لها إلى العشق ولوازمه لا يُؤثِّر عندي، ولا أسمعه لهذا الغرض، ولا يلتفت قلبي إلى حب ما يوصف [٤٠ أ] فيه، وإنما أُنزله على مقتضى حالي ووجدي في حب الله والدار الآخرة، فهو يُثير من قلبي ما هو كامن فيه، كما يثير من قلب محب الدنيا والصور ما هو كامن فيه، فأنا١ سماعي لله وبالله، فلا يضرُّني ما فيه من المفاسد، بخلاف سماع أهل اللهو واللعب.
فالجواب أن يقال: هذا موضع الغرور والتلبيس، ومنه وقع مَن وقع٢ في شبكة السماع وشَرَكِه، ورام التخلصَ منها فعزَّ عليه.
فيقال له أولًا:
ما الفرق بينك وبينَ من يقول: أنا أنظر إلى الصور المستحسنة من النساء الأجانب وإلى معاطفهن وقدودهن ووُرود خدودهن٣ وسائر محاسنهن، وليس نظري نظر الفساق، فأنظر إليهن نظرَ اعتبارٍ واستدلال وتفكر في كمال قدرة الخالق، فأتعجب من حسن الصنعة في استدارةِ