فإن قال هذا المغرور المخدوع: إن سماع هذا الغناء المطرب بهذه الآلات المطربة المزعج للطباع الداعي لها إلى العشق ولوازمه لا يُؤثِّر عندي، ولا أسمعه لهذا الغرض، ولا يلتفت قلبي إلى حب ما يوصف [٤٠ أ] فيه، وإنما أُنزله على مقتضى حالي ووجدي في حب الله والدار الآخرة، فهو يُثير من قلبي ما هو كامن فيه، كما يثير من قلب محب الدنيا والصور ما هو كامن فيه، فأنا١ سماعي لله وبالله، فلا يضرُّني ما فيه من المفاسد، بخلاف سماع أهل اللهو واللعب.
فالجواب أن يقال: هذا موضع الغرور والتلبيس، ومنه وقع مَن وقع٢ في شبكة السماع وشَرَكِه، ورام التخلصَ منها فعزَّ عليه.
فيقال له أولًا:
ما الفرق بينك وبينَ من يقول: أنا أنظر إلى الصور المستحسنة من النساء الأجانب وإلى معاطفهن وقدودهن ووُرود خدودهن٣ وسائر محاسنهن، وليس نظري نظر الفساق، فأنظر إليهن نظرَ اعتبارٍ واستدلال وتفكر في كمال قدرة الخالق، فأتعجب من حسن الصنعة في استدارةِ
وأنظرُ إلى تَينكَ العينين وما أُودِعَتاه من الملاحة والحلاوة والسواد في ذلك البياض، وحسن شكلهما٥، وجَمْعهما لمحاسن الوجه، ثم أنظر إلى دقة٦ الأنف٧ واستوائه وحسن شكله، وإلى ذلك الفم واستدارته ولطفه٨ وبديع خلقه، وهكذا عضوًا عضوًا٩. وأقول في١٠ خلال ذلك كله: تبارك الله أحسنُ الخالقين، وإذا رأيتُ هذه الصورة ذكَّرتْني الحورَ العين، كما قال قائل١١:
وإذا رآك العابدون تيقَّنواحُورَ الجِنانِ لدى النعيمِ الخالدِ
(١) ع: "البهجة" تحريف.
(٢) ع، ك: "واستوائها".
(٣) "وتقوس" ساقطة من ك.
(٤) الحاجب مذكر، فقول المؤلف "تينك" وهم أو عامي.
(٥) ع: "سلكهما".
(٦) ع: "رقة".
(٧) ك: "ذلك الأنف".
(٨) ع: "ولفظه" تحريف.
(٩) ع: "عضوًا بعد عضو".
(١٠) "في" ليست في ع.
(١١) أولهما مع أبيات أخرى لأبي إسحاق الصابي في يتيمة الدهر (٢/ ٢٥٩).