مسألة السماع

ومن العجب استدلالهم على جواز سماع الغناء والمعازف والشبابة والدفوف المصلصلة بسماع أصوات١ الهَزار والبلبل والشُّحْرور والقُمري، وهل هذا٢ إلا من جنس قياس الذين ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؟ ومن جنس قياس أهل الإباحة الذين يقولون: النظر إلى الصور الجميلة والتلذذ بها مثل النظر إلى سائر ما خلق الله من المناظر البهيَّة٣ من الأزهار والثمار والنبات والحيوان، فما الذي حلَّل هذا وحرَّم هذا؟ أَفَتَرى هذا ما عَلِمَ أن سماع أصوات الطيور ورؤية محاسن النبات والثمار لا يدعو [٤١ ب] إلى ما يدعو إليه سماع الغناء وآلات اللهو والنظر إلى الصور المستحسنة؟٤.

فإن كنتَ لا تدرِي فتلك مصيبةٌوإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ٥

فصل

والتحقيق في هذا٦ السماع أنه مركب من شبهة وشهوة، وهما

  1. (١) ع: "صوت".
  2. (٢) ع: "هذه".
  3. (٣) الأصل: "البهجة". ع: "المبهجة". والمثبت من ك.
  4. (٤) بعدها في ع: "قيل".
  5. (٥) البيت لصفي الدين الحلي في "ديوانه" (ص ٦٥) من قصيدة له من بحر الكامل، بتغيير طفيف للبيت الذي هنا من بحر الطويل. وأنشده شيخ الإسلام كما هنا في "منهاج السنة" (٤/ ١٢٨، ٥/ ١٦٢، ٧/ ٢٥٣، ٤٥٩).
  6. (٦) "هذا" ليس في الأصل.
92

الأصلان اللذان ذمَّ الله من يتبعهما ويُحكِّمهما على الوحي الذي بعث الله به أنبياءه ورسله. قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] فالظن الشبهة، وما تهوى الأنفس الشهوة، والهدى الذي جاءنا من ربنا مخالف لهذا وهذا، وقال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، فالاستمتاع بالخلاق ــ وهو النصيب ــ هو الشهوة، والخوض هو الكلام بمقتضى الشبهة١. فهذان الداءان٢ هما داءا٣ الأولين والآخرين إلا من عصم الله، وقليل ما هم، وهذا السماع قد تركَّب أمره من هذين الأصلين.

فأمَّا الشبهة التي فيه فهي تعلق أهله بالشبهة التي يستندون إليها في فعله، كقولهم: حضره ساداتُ المشايخ ومَن لا يُطعَن٤ عليه، وأقره النبي ﷺ في بيته٥، وسمع الحداء وهو ضرب من سماع الغناء، وسمع الشعر وأجاز عليه، ونحو ذلك من الآثار التي سنذكرها، ونبين أن صحيحها لا

  1. (١) "هو الشهوة ... الشبهة" ساقطة من ك.
  2. (٢) ع: "اللذان".
  3. (٣) ع، ك: "داء".
  4. (٤) ع: "مطعن".
  5. (٥) "في بيته" ليست في ك.
93

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي