ولكن ثمَّ نكتة، وهي أنه هل هذا من الزاد الذي تُسافر به١ القلوب والأرواح إلى محبوبها، أو ليس من زاد سيرها إليه؟
فههنا تُسكَب العبرات، ويتبيّن مَن هو عامل على حظه وإرادته من المحبوب، سواء أراده محبوبه أو لم يرده، وهو حال السماع الشعري الذي يثيره، ومن هو عامل على مراد محبوبه منه٢ ومرضاته، وهو حال السماع القرآني، فهذا لون، وهذا لون. وبين الحالين أبعد مما٣ بين المشرقين، ولأجل الباطل الذي فيه تدخل الدواخل القادحة على مَن حضره من الصادقين، لأنه ربما غلب فيه سُكر النفوس على حظِّ القلوب والأرواح، فانغمر في حظ النفوس، وصار الحكم للغالب، ويصير [٤٢ ب] النصيب خالصًا للنفس والشيطان.
فصاحب الحال المحمود في السماع قد يغلب عليه جانب الباطل، وينغمر الحق فيه ويستهلك، لكون صورة هذا السماع غير مشروعة، وليست من أمر الدين ولا من الإسلام، فهي صورة مبتدعة.
فلهذا السبب قد يقوى جانبُ النفس والشيطان فيه على جانب الحق، وتصير الحركة نفسانية لا قلبية، ولا يشعر صاحبها لغلبة حكم٤
(١) ك: "فيه".
(٢) "منه" ليست في ع.
(٣) الأصل: "ما". والمثبت من ك، ع.
(٤) ع: "الحكم".
الوارد عليه، ونفس الحركة التي أثارها١ السماع ليست هي الميزان نفسها، بل هي الموزونة، فتستدعي ميزانًا يزنها به الصادق الناصح لنفسه العامل على مراد ربه لا على مراده هو، وحينئذٍ يتبين له هل هي حركة نفس أو حركة قلب في مرضاة المحبوب. فليتفطن اللبيب لهذا٢ الموضع، وليقف فيه وقفةَ المتأمل٣، والله الموفق.
فصل
ولمّا تقادم العهد، وطال الأمد، ودَرَستْ معالم الدين، وأخذ الناس بُنَيَّاتِ الطريق، وصار الناس إلا الأقلّ٤ كما٥ قال الله عزوجل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾[المؤمنون: ٥٣]، فاستند كل قوم غير حزب الله ورسوله إلى ظُلَم آرائهم٦، وحكَّموا على السنة مقالات شيوخهم وطرائقهم وأهوائهم، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وصار الغالب على هذا الخلق الهوى المطاع، والرأي المعجَب به، والتقليد الذي ليس مع مقلِّده برهان من الله ولا