الوارد عليه، ونفس الحركة التي أثارها١ السماع ليست هي الميزان نفسها، بل هي الموزونة، فتستدعي ميزانًا يزنها به الصادق الناصح لنفسه العامل على مراد ربه لا على مراده هو، وحينئذٍ يتبين له هل هي حركة نفس أو حركة قلب في مرضاة المحبوب. فليتفطن اللبيب لهذا٢ الموضع، وليقف فيه وقفةَ المتأمل٣، والله الموفق.
فصل
ولمّا تقادم العهد، وطال الأمد، ودَرَستْ معالم الدين، وأخذ الناس بُنَيَّاتِ الطريق، وصار الناس إلا الأقلّ٤ كما٥ قال الله عزوجل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾[المؤمنون: ٥٣]، فاستند كل قوم غير حزب الله ورسوله إلى ظُلَم آرائهم٦، وحكَّموا على السنة مقالات شيوخهم وطرائقهم وأهوائهم، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وصار الغالب على هذا الخلق الهوى المطاع، والرأي المعجَب به، والتقليد الذي ليس مع مقلِّده برهان من الله ولا
(١) ك: "انشاوها" تحريف.
(٢) ك: "هذا".
(٣) ك: "التأمل".
(٤) ع: "الولي".
(٥) "كما" ساقطة من ك.
(٦) ع: "رأيهم".
بصيرة به، إنْ معه١ إلا قولُه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾[الزخرف: ٢٢].
فانحرفت لذلك الأعمال، وانقلبت الأذواق، وفسدت الأحوال، وصَدِئت القلوب، وكثير منها انتكس، فلا يعرف من المعروف إلا ما وافق هواه، ولا يُنكِر منه٢ إلا ما خالف [٤٣ أ] هواه، وهذا هو ميّت الأحياء، كما٣ قال عبد الله بن مسعود: أتدرون ما ميت الأحياء٤؟ قالوا: لا، قال: هو الذي لا يعرف معروفًا٥ ولا ينكر منكرًا. وقالوا له: يا أبا عبد الرحمن! هلك مَن لم يأمر بالمعروف وينهَ عن المنكر، فقال٦: هلك مَن لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر٧.
فلا يوجد غالبًا إلا ذوق منحرف في عمل منحرف صادر من قلب منحرف، فتخرج الأقوال والأحوال فيها من الانحراف ما فيها، فعظم الخَطْب واشتد الأمر، وكثرت الشطحات والطامَّات، وانسلخت القلوب من الإيمان، وأربابها لا يعلمون، لأن القلب متى لم يكن على