مسألة السماع

أبو موسى يقول: يا أبا موسى [٤٤ ب] ذَكِّرْنا ربَّنا، فيأخذ أبو موسى في القراءة١، وتعمل تلك الأقوال٢ في قلوب القوم عملها، وكان عثمان بن عفان يقول: لو طهرتْ قلوبنا لما شبعتْ من كلام الله٣. وإي والله! كيف تشبع من كلام محبوبهم٤ وفيه نهاية مطلوبهم؟ وكيف تشبع من القرآن وإنما فُتِحت به لا بالغناء والألحان؟

إذا مرِضْنا تداوينَا بذكرِكُمُفإن تركناه زادَ السُّقْم والمرضُ٥

وأصحاب الطران٦ والألحان عن هذا كله بمعزلٍ، هم في واد والقوم في واد.

الضبُّ والنونُ قد يُرجَى التقاؤُهماوليس يُرجَى التقاءُ الوحي والقَصَبِ٧
  1. (١) أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ١٠٩) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٥٨) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٧/ ٣٣٩ طبعة المجمع). وانظر "سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٩١) و"البداية والنهاية" (١١/ ٢٥٥).
  2. (٢) ك: "الأحوال".
  3. (٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد "فضائل الصحابة" (٧٧٥) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٥٦).
  4. (٤) ع: "محبوبه" خطأ.
  5. (٥) البيت باختلاف الشطر الثاني في "مدارج السالكين" (٣/ ٢٠٧) و"الوابل الصيب" (ص ١٧٢).
  6. (٦) كذا في الأصل وع، والطر: آلة تشبه الدف والطبل. وفي ك: "الطرب".
  7. (٧) صدره لأبي إسحاق الصابي في "يتيمة الدهر" (٢/ ٣٤٥).
102

فأين حال من يَطربُ بسماعِ الغناءِ والقَصَبِ بين المثالث والمثاني وذوقِه ووجْدِه إلى حال من يجد لذة السماع وروح الحال وذوق طعم الإيمان؟ إذا سمع في حال إقبال قلبه١ على الله، وأنسه به، وشوقه إلى لقائه، واستعداده لفهم مراده من كلامه، وتنزيله على حاله، وأخْذِه بحظه الوافر منه، قارئًا٢ مجيدًا حسنَ الصوت والأداء يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه ١ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ٣ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ٤ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ٥ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ٦ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ٧ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ٨﴾ [طه: ١ - ٨]. وأمثالَ هذا النمط من القرآن الذي إذا صادف حياةً في قلب صادق قد شَمَّ رائحةَ المحبة وذاق حلاوتها، فقلبه لا يَشبَعُ من كلام محبوبه، ولا يَقَرُّ ولا يطمئنُّ إلا به= كان٣ [٤٥ أ] موقعه من قلبه كموقع وصال الحبيب بعد طول الهجران، وحلَّ منه محلَّ الماء البارد في شدة الهجير من الظمآن، فما ظنك بأرضٍ حياتُها بالغيثِ، أصابها وابِلُه أحوجَ ما كانت إليه، فأنبتَ٤ فيها من كل زوجٍ بهيجٍ قائمٍ على سُوقِه يشكره ويثني عليه.

  1. (١) "قلبه" ليست في ك.
  2. (٢) "قارئًا" مفعول الفعل "سمعَ".
  3. (٣) "كان" جواب شرط "إذا صادف".
  4. (٤) ك: "فأنبتت".
103

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي