مسألة السماع

فأين حال من يَطربُ بسماعِ الغناءِ والقَصَبِ بين المثالث والمثاني وذوقِه ووجْدِه إلى حال من يجد لذة السماع وروح الحال وذوق طعم الإيمان؟ إذا سمع في حال إقبال قلبه١ على الله، وأنسه به، وشوقه إلى لقائه، واستعداده لفهم مراده من كلامه، وتنزيله على حاله، وأخْذِه بحظه الوافر منه، قارئًا٢ مجيدًا حسنَ الصوت والأداء يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه ١ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ٣ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ٤ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ٥ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ٦ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ٧ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ٨﴾ [طه: ١ - ٨]. وأمثالَ هذا النمط من القرآن الذي إذا صادف حياةً في قلب صادق قد شَمَّ رائحةَ المحبة وذاق حلاوتها، فقلبه لا يَشبَعُ من كلام محبوبه، ولا يَقَرُّ ولا يطمئنُّ إلا به= كان٣ [٤٥ أ] موقعه من قلبه كموقع وصال الحبيب بعد طول الهجران، وحلَّ منه محلَّ الماء البارد في شدة الهجير من الظمآن، فما ظنك بأرضٍ حياتُها بالغيثِ، أصابها وابِلُه أحوجَ ما كانت إليه، فأنبتَ٤ فيها من كل زوجٍ بهيجٍ قائمٍ على سُوقِه يشكره ويثني عليه.

  1. (١) "قلبه" ليست في ك.
  2. (٢) "قارئًا" مفعول الفعل "سمعَ".
  3. (٣) "كان" جواب شرط "إذا صادف".
  4. (٤) ك: "فأنبتت".
103

فهل يستوي عند الله وملائكته ورسله١ والصادقين من عباده سماعُ هذا وذوقُه وذوق صاحب سماع الغناء، من سماعٍ أهلُه عبيدُ نفوسٍ٢ شهوانية، كان عقد٣ مجلس اجتماعهم طلبًا للذة النفوس ونيلًا لحظِّها؟ فمن لم يُميِّز بين هذين السماعين والذوقين، فليسأل ربَّه بصدق رغبته إليه أن يُحيِيَ له قلبَه الميت، وأن يجعل له نورًا يمشي به في الناس، ويفرق به بين الحق والباطل، فإنه قريب مجيب.

فصل

في التنبيه على نكتة خفية٤ من نكت السماع يعرفها أهله، وهي أنه قد علم الذائقون منهم أنه ما وَجَدَ صادقٌ في السماع الشعري وجدًا وتحرك به إلا وَجَدَ٥ عند انقضائه ومفارقةِ المجلس قبضًا على قلبه، ووجد نوعَ استيحاشٍ وأحسَّ ببعده٦، ولا يتفطنُ لهذا إلا من في قلبه حياة وطلب، وإلا فـ

ما لجُرحٍ بميِّتٍ إيلامُ٧

  1. (١) في الأصل: "ورسوله". والمثبت من ع، ك.
  2. (٢) ع: "نفوسهم".
  3. (٣) ك: "عند".
  4. (٤) ك: "حقيقية".
  5. (٥) ك: "إلا ووجد به".
  6. (٦) ك: "بعده".
  7. (٧) صدره: من يَهُنْ يسهل الهوانُ عليه
    والبيت للمتنبي في "ديوانه" (٤/ ٢١٧).
104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي