وغيبتها عن سوى١ مطلوبه، فلما أفاق من سُكره وفارق لذة السماع وطيبه وجد اللوثَ والكدرَ الذي هو أثر حظّ٢ النفس والشيطان، وأثرُ٣ جُثوم الشيطان على قلبه، فأثَّر فيه ذلك الأثر قبضًا ووحشة، وأحسَّ به بعدًا، وكلما كان أصدق وأتمَّ طلبًا كان وجوده لهذا أظهر، فاستعداده وحياة قلبه يوجب له الإحساس بهذا، ولا يدري من أين أُتي.
وهذا له في الشاهد نظائر وأشباهٌ، منها: أن الرجل إذا اشتغل قلبه اشتغالًا تامًّا بمشاهدة محبوب، أو رؤية مخوف، أو لذة ملكتْ عليه حسّه وقلبه، إذا أصابه في تلك الحال ضربٌ أو لَسْعٌ أو سببٌ مؤلم لا يكاد يشعر به، فإذا فارقته تلك الحال وجد مسَّ الألم٤ حتى كأنه أصابه تلك الساعة، والألم لم يزل٥ فيه، لكن كان ثمَّ٦ مانع يمنع من الإحساس به، فلمّا زال المانع أحسَّ بالألم. ولهذه النكتة كان بعض الصادقين [٤٦ أ] منهم إذا فارق السماع بادر إلى تجديد التوبة والاستغفار، وأخذ في أسباب التداوي التي يدفع بها موجب أسباب القبض والوحشة والبعد.
(١) "سوى" ليست في ع.
(٢) "حظ" ليست في الأصل.
(٣) في الأصل: "وأتم" تحريف.
(٤) ك: "من الألم".
(٥) ع، ك: "وإلا لم يزل" خطأ.
(٦) ع: "ثمة".
وهذا القدر إنما يعرفه أولو الفقه في الطريق وأصحاب الفطن، المعتنون١ بتكميل نفوسهم، ومعرفة أدوائها وأدويتها. والله المستعان.
ولا ريب أن الصادق قد يجد في سماع الأبيات ذوقًا صحيحًا إيمانيًّا، ولكن ذلك بمثابة من سُقِيَ عسلًا في إناء نجس، كإناء من جلد ميتة غير ذكيّ، والنفوس الصادقة التي عَلَتْ٢ هِممُها تنبو٣ عن الشرب٤ في ذلك الإناء وتتقذره٥، وتأنف أن تشرب فيه، بل تطلب الشربَ من إناء يصلح لذلك الشراب ويناسبه، فإن لم تجده صانت الشراب عن وضعه في ذلك الإناء، وانتظرتْ به إناءً يليق به. وغيرها من النفوس تضع ذلك الشراب في أي إناء وجدتْه، من عظامِ ميتة أو جلدِ ميتة أو إناءِ خمرٍ طالما شُرِب به الخمرُ، وأُكِلت فيه الميتة.
أفلا يستحيي العارف أن يشرب أطهر الشراب وأطيبه في آنية المسكر والميتة والدم٦ ولحم الخنزير؟ ولوجود الصادق في حال سماعه ذلك الذوقَ وحلاوتَه يغيب عن قذارة الإناء ونجاسته ووَضَارته،