وهذا القدر إنما يعرفه أولو الفقه في الطريق وأصحاب الفطن، المعتنون١ بتكميل نفوسهم، ومعرفة أدوائها وأدويتها. والله المستعان.
ولا ريب أن الصادق قد يجد في سماع الأبيات ذوقًا صحيحًا إيمانيًّا، ولكن ذلك بمثابة من سُقِيَ عسلًا في إناء نجس، كإناء من جلد ميتة غير ذكيّ، والنفوس الصادقة التي عَلَتْ٢ هِممُها تنبو٣ عن الشرب٤ في ذلك الإناء وتتقذره٥، وتأنف أن تشرب فيه، بل تطلب الشربَ من إناء يصلح لذلك الشراب ويناسبه، فإن لم تجده صانت الشراب عن وضعه في ذلك الإناء، وانتظرتْ به إناءً يليق به. وغيرها من النفوس تضع ذلك الشراب في أي إناء وجدتْه، من عظامِ ميتة أو جلدِ ميتة أو إناءِ خمرٍ طالما شُرِب به الخمرُ، وأُكِلت فيه الميتة.
أفلا يستحيي العارف أن يشرب أطهر الشراب وأطيبه في آنية المسكر والميتة والدم٦ ولحم الخنزير؟ ولوجود الصادق في حال سماعه ذلك الذوقَ وحلاوتَه يغيب عن قذارة الإناء ونجاسته ووَضَارته،
(١) ك: "المعنيون".
(٢) ع: "غلب" تصحيف.
(٣) "تنبو" ساقطة من ك.
(٤) ع: "الشراب".
(٥) الأصل: "وتقذره".
(٦) "والدم" ليست في ع، ك.
فإذا فرغ من شربه وجد١ زُهُومةَ ذلك الإناء٢ وآثارَ٣ قذارته على قلبه، فيوجب له ذلك قبضًا ووحشة. وبالله التوفيق.
هذا إذا كان صاحب السماع صادقًا في حاله مع الله وذوقه، وكان سماعه بالله ولله، وأمَّا إن كان سماعه للذة وحظ النفس [٤٦ ب] فهو يشرب الماء النجس في الإناء القذر.
وأمَّا صاحب السماع القرآني الذي ذوقه وشربه منه، فهو يشرب الشراب الطهور في أنظف إناء وأطيبه.
فالآنية ثلاثة: نظيف ونجس ومختلط. والشراب ثلاثة: طاهر ونجس وممزوج. والقلوب ثلاثة: صحيح سليم فشربه الشراب الطهور في الإناء النظيف، وسقيم مريض فشربه الشراب النجس في الإناء القذر، وقلب فيه مادتان فشرابه وإناؤه بحسب المادتين، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا.
فصل
في الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة وبيان أن٤ أحد الذوقين مباين للآخر، فإنه كلّما قوي ذوق أحدهما وسلطانه ضعف ذوق الآخر وسلطانه.