لذة ومنفعة ومصلحةً لهذا العبد الذي قد دعاه إلى المأدبة، ليست في اللون الآخر، لتكمل لذة عبده في كل١ لون من ألوان العبودية، ويكرمه٢ بكل صنف من أصناف الكرامة، ويكون كل فعل من أفعال تلك العبودية مكفرًا لمذموم كان يكرهه بإزائه، ليُثيبه٣ عليه نورًا خاصًا وقوة في قلبه وجوارحه وثوابًا خاصًّا يوم لقائه.
فيصدر المدعو من هذه المأدبة وقد أشبعه وأرواه، وخلع عليه خِلَع٤ القبول وأغناه؛ لأن القلب كان قبلُ٥ قد ناله من القحط والجدب والجوع والظمأ والعُرْي والسقم ما ناله، فأصدره من عنده وقد أعطاه من٦ الطعام والشراب واللباس والتحف ما يغنيه.
ولمّا كانت الجدوب متتابعة، وقحط النفوس متواليًا٧، جدد له الدعوة إلى هذه المأدبة وقتًا بعد وقت رحمة منه به، فلا يزال مستسقيًا من٨ بيده غيث القلوب وسَقْيها، مستمطرًا سحائبَ رحمته لئلا ييبَسَ
(١) ع، ك: "بكل".
(٢) ك: "ويلزمه" تحريف.
(٣) ك: "ويثيبه".
(٤) الأصل: "بخلع".
(٥) ع: "قبلها".
(٦) في الأصل: "وقد أغناه عن". ك: "وقد أعتاه". والمثبت من ع.
(٧) ك: "متواليه".
(٨) ع، ك: "ممن".
ما أنبتته له١ تلك٢ من كلأ الإيمان وعُشْبه وثمارِه، ولئلا تنقطع مادة النبات. والقلب في استسقاء واستمطار هكذا دائمًا، يشكو إلى ربه جَدْبه وقَحْطَه وضرورته إلى سقيا رحمته وغيثِ بِرِّه، فهذا دأب العبد أيام حياته.
فإن الغفلة التي تنزل بالقلب هي القحط والجدب، فما دام في ذكر الله [٤٧ ب] والإقبال عليه فغيث الرحمة واقع عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفلَ ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكنت الغفلةُ واستحكمتْ صارتْ أرضُه ميتةً، وسَنَتُه جرداءَ يابسةً، وحريقُ الشهوات فيها من كل جانبٍ كالسمائم.
وإذا تدارك عليه غيث الرحمة اهتزَّتْ أرضه ورَبَتْ وأنبتت من كل زوج بهيج، فإذا ناله القحط والجدب كان بمنزلة شجرة رطوبتها ولينها وثمارها من الماء، فإذا مُنِعتْ من الماء يَبِستْ عروقها٣، وذَبلتْ أغصانها، وحُبِست ثمارها وربما يبست الأغصان والشجرة، فإذا مددتَ منها غصنًا إلى نفسك لم يمتد ولم ينقَدْ لك وانكسر، فحينئذٍ تقتضي حكمة قيّم٤ البستان قطعَ تلك الشجرة وجعلها وقودًا للنار، فكذلك القلب، إنما ييبس إذا خلا من توحيد الله وحبه ومعرفته وذكره ودعائه،
(١) "له" ليست في ع، ك.
(٢) بعدها في ع: "الرحمة".
(٣) من هنا إلى قوله: "في العبودية" (في الصفحة الآتية) سقط كبير في ك.