عنه بأمقت شيء إلى الملك وأقلِّه عنده قدرًا، فآثره عليه، وصيَّره قبلةَ قلبه، ومحلَّ توجهه، وموضع سِرّه، وبعث غلمانه وخَدَمَه ليقفوا في طاعة الملك، ويعتذروا عنه وينوبوا عنه في الخدمة، والملك يشاهد١ ذلك ويرى حاله، ومع هذا فكرم الملك وجوده وسعة بره وإحسانه يأبى أن ينصرف عنه تلك الخدم٢ والأتباع إلّا بنصيبها٣ من رحمته وإحسانه، لكن فرق بين قسمة الغنائم على أهل السُّهمان٤ من الغانمين وبين الرَّضْخ لمن لا سهمَ له، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[الأحقاف: ١٩].
والله سبحانه خلق هذا النوع الإنساني لنفسه، واختصَّه، وخلق له كل شيء، كما في الأثر الإلهي: "ابنَ آدم خلقتُك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقِّي عليك٥ لا تشتغلْ بما خلقته لك عما خلقتك له"٦.
وفي أثر آخر: "خلقتُك لنفسي فلا تلعبْ، وتكفلتُ برزقك فلا تتعب، ابنَ آدم اطلبني تجِدْني، فإن وجدتني وجدتَ كل شيء، وإن فُتُّك
(١) في الأصل، ك: "شاهد".
(٢) ك: "الخدمة".
(٣) في الأصل: "فيصيبها". والمثبت من ع، ك.
(٤) ع: "السهمين" خطأ.
(٥) "عليك" ليست في ع.
(٦) ذكره شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١/ ٢٣). وانظر "طريق الهجرتين" (ص ٥٢٦).
فاتَك كل شيء، وأنا خير لك من كل شيء"١.
وجعل الصلاة سببًا موصلًا له إلى قربه ومناجاته ومحبته والأنس به، وما بين الصلاتين٢ تحدثُ له الغفلة والجفوة والإعراض والزلات والخطايا، فيُبعِده ذلك عن ربه، وينحّيه عن قربه، ويصير كأنه أجنبي عن العبودية [٤٩ ب] ليس من جملة العبيد، وربما ألقى بيده إلى أسر العدو، فأسَره وغلَّه وقيّده وحبسَه٣ في سجن نفسه وهواه، فحظّه ضيق الصدر ومعالجة الهموم والغموم والأحزان والحسرات، ولا يدري السبب في ذلك.
فاقتضت رحمة ربه الرحيم أن جعل له من عبوديته عبودية جامعة مختلفة الأجزاء والحالات، بحسب٤ اختلاف الأحداث التي جاءت من العبد، وبحسب شدة حاجته إلى نصيبه من كل جزء٥ من أجزاء تلك العبودية.
فبالوضوء يتطهر من الأوساخ ويَقدم على ربه متطهرًا، والوضوء له
(١) أثر إسرائيلي كما ذكره شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٢). وذكره المؤلف في "طريق الهجرتين" (ص ٩٥، ٥٢٦).