وجعل الصلاة سببًا موصلًا له إلى قربه ومناجاته ومحبته والأنس به، وما بين الصلاتين٢ تحدثُ له الغفلة والجفوة والإعراض والزلات والخطايا، فيُبعِده ذلك عن ربه، وينحّيه عن قربه، ويصير كأنه أجنبي عن العبودية [٤٩ ب] ليس من جملة العبيد، وربما ألقى بيده إلى أسر العدو، فأسَره وغلَّه وقيّده وحبسَه٣ في سجن نفسه وهواه، فحظّه ضيق الصدر ومعالجة الهموم والغموم والأحزان والحسرات، ولا يدري السبب في ذلك.
فاقتضت رحمة ربه الرحيم أن جعل له من عبوديته عبودية جامعة مختلفة الأجزاء والحالات، بحسب٤ اختلاف الأحداث التي جاءت من العبد، وبحسب شدة حاجته إلى نصيبه من كل جزء٥ من أجزاء تلك العبودية.
فبالوضوء يتطهر من الأوساخ ويَقدم على ربه متطهرًا، والوضوء له
(١) أثر إسرائيلي كما ذكره شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٢). وذكره المؤلف في "طريق الهجرتين" (ص ٩٥، ٥٢٦).
(٢) الأصل: "صلاتين".
(٣) في الأصل: "وجنه".
(٤) في الأصل: "بسبب".
(٥) الأصل، ع: "خير". والمثبت من ك.
ظاهر وباطن، فظاهره طهارة البدن وأعضاء العبادة١، وباطنه وسرُّه طهارة القلب من أوساخه وأدرانه بالتوبة٢. ولهذا يقرن سبحانه بين التوبة والطهارة٣ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة: ٢٢٢]، وشرع النبي ﷺ للمتطهر٤ بعد فراغه٥ من الوضوء أن يتشهد، ثم يقول: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"٦، فكمل له مراتب الطهارة باطنًا وظاهرًا.
فإنه بالشهادة يتطهر من الشرك، وبالتوبة يتطهر من الذنوب، وبالماء يتطهر من الأوساخ الظاهرة. فشرع له أكمل٧ مراتب الطهارة قبل الدخول على الله والوقوف بين يديه، فلما طهر٨ ظاهرًا وباطنًا أذن
(١) ع: "والأعضاء لعبادة". والمثبت من الأصل، ك.
(٢) "بالتوبة" ليست في ع.
(٣) بعدها في ع: "كما"، وليست في الأصل، ك.
(٤) ك: "للمطهر".
(٥) في الأصل، ك: "أن يقول بعد فراغه"، وسيأتي ما يغني عن التكرار.
(٦) أخرجه الترمذي (٥٥) عن عمر بن الخطاب، وقال: في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء، قال محمد بن إسماعيل البخاري: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي لوروده من طرق أخرى.