مسألة السماع

ظاهر وباطن، فظاهره طهارة البدن وأعضاء العبادة١، وباطنه وسرُّه طهارة القلب من أوساخه وأدرانه بالتوبة٢. ولهذا يقرن سبحانه بين التوبة والطهارة٣ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وشرع النبي ﷺ للمتطهر٤ بعد فراغه٥ من الوضوء أن يتشهد، ثم يقول: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"٦، فكمل له مراتب الطهارة باطنًا وظاهرًا.

فإنه بالشهادة يتطهر من الشرك، وبالتوبة يتطهر من الذنوب، وبالماء يتطهر من الأوساخ الظاهرة. فشرع له أكمل٧ مراتب الطهارة قبل الدخول على الله والوقوف بين يديه، فلما طهر٨ ظاهرًا وباطنًا أذن

  1. (١) ع: "والأعضاء لعبادة". والمثبت من الأصل، ك.
  2. (٢) "بالتوبة" ليست في ع.
  3. (٣) بعدها في ع: "كما"، وليست في الأصل، ك.
  4. (٤) ك: "للمطهر".
  5. (٥) في الأصل، ك: "أن يقول بعد فراغه"، وسيأتي ما يغني عن التكرار.
  6. (٦) أخرجه الترمذي (٥٥) عن عمر بن الخطاب، وقال: في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء، قال محمد بن إسماعيل البخاري: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي لوروده من طرق أخرى.
  7. (٧) ع: "تكميل". ك: "أجمل".
  8. (٨) ع: "تطهر".
118

له بالدخول عليه بالقيام بين يديه١، فخلص٢ من الإباق بمجيئه إلى داره ومحل عبوديته.

ولهذا كان المجيء إلى المسجد من تمام عبودية الصلاة [٥٠ أ] الواجبة عند قوم، والمستحبة عند آخرين، والعبد كان في حال غفلته كالآبق عن٣ ربه، وقد عطَّل جوارحه وقلبه عن الخدمة التي خلق لها، فإذا جاء إليه فقد رجع من إباقه، فإذا وقف بين يديه موقف العبودية والتذلل والانكسار، فقد استدعى عطف سيده عليه وإقباله عليه بعد الإعراض.

وأمر بأن يستقبل٤ بيته الحرام بوجهه، ويستقبل الله عزوجل بقلبه، لينسلخ مما كان فيه من التولي والإعراض، ثم قام بين يديه مقام الذليل٥ الخاضع المسكين المستعطف لسيده، وألقى بيديه مسلمًا مستسلمًا ناكسَ الرأس خاشعَ القلب مُطرِقَ الطرف، لا يلتفت قلبه عنه ولا طرفُه يمنةً ولا يسرةً، بل قد توجه بقلبه كله إليه، وأقبل بكليته عليه.

ثم كبَّره بالتعظيم والإجلال، وواطأ قلبُه في التكبير لسانَه، فكان الله

  1. (١) "فلما طهر ... يديه" ساقطة من ك. وبعدها في الأصل: "فلما تطهر ظاهرًا وباطنًا". وهو تكرار.
  2. (٢) الأصل: "إذ تخلص".
  3. (٣) ع، ك: "من".
  4. (٤) بعدها في الأصل: "القبلة"، وليست في ك، ع.
  5. (٥) ك: "المتذلل".
119

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي