أكبرَ في قلبه من كل شيء، وصدَّقَ هذا التكبير١ بأنه لم يكن في قلبه شيء أكبر من الله يشغله عنه، فإذا اشتغل عن الله بغيره وكان ما اشتغل به أهمَّ عنده من الله كان تكبيره بلسانه دون قلبه، فالتكبير يُخرِجه من لُبْسِ رداء التكبر٢ المنافي للعبودية، ويمنعه من التفات قلبه إلى غير الله، إذ٣ كان الله عنده وفي قلبه أكبر من كل شيء، فمنعَه حقُّ قوله "الله أكبر" والقيام بعبودية التكبير٤ عن هاتين الآفتين، اللتين هما من أعظم الحجب بينه وبين الله.
فإذا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك"، وأثنى على الله بما هو أهله، فقد خرج عن الغفلة التي هي حجاب أيضًا بينه وبين الله، وأتى بالتحية والثناء الذي [٥٠ أ] يخاطب به الملك عند الدخول عليه تعظيمًا له٥ وتمجيدًا ومقدمةً بين يدَيْ حاجته، فكان في هذا الثناء من أدب العبودية وتعظيم المعبود٦ ما يستجلب به إقباله عليه ورضاه عنه وإسعافه بحوائجه.
فإذا شرع في القراءة قدَّم أمامها الاستعاذةَ بالله من الشيطان، فإنه أحرص ما يكون على العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقاماته
(١) "لسانه ... هذا التكبير" ساقطة من ك.
(٢) ع: "التكبير".
(٣) في الأصل وع: "إذا". والمثبت من ك.
(٤) ك: "التكبر".
(٥) "له" ليست في ع.
(٦) "وتعظيم المعبود" ليست في الأصل.
وأنفعها له في دنياه وآخرته، فهو أحرص شيء على صرفه عنه واقتطاعه دونه بالبدن والقلب، فإن عجز عن اقتطاعه وتعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه وعطَّله عن القيام بين يدي الرب تعالى، فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه، وليحيا قلبه ويستنير بما يتدبره ويتفهمه من كلام سيده الذي هو سبب حياته ونعيمه وفلاحه، فالشيطان أحرص١ على اقتطاع قلبه عن مقصود٢ التلاوة.
ولما علم سبحانه جِدَّ العدو وتفرغَه للعبد وعَجْز العبد عنه، أمره بأن يستعيذ به سبحانه ويلتجئ إليه في صرفه عنه، فيُكْفَى٣ بالاستعاذة مؤونةَ محاربته ومقاومتهِ، فكأنه قيل له: لا طاقةَ لك بهذا العدو، فاستعذْ بي واستجرني أَكْفِكَه وأمنعْك منه.
وقال لي شيخ الإسلام٤ قدس الله روحه يومًا: "إذا هاشَ عليك كلبُ الغنم فلا تشتغل بمحاربته ومدافعته، وعليك بالراعي فاستغِثْ به، فهو يَصرِف عنك الكلب".
فإذا استعاذ بالله من الشيطان بَعُد منه، فأفضى القلب إلى معاني القرآن، ووقع في رياضه المؤنقة، وشاهد عجائبه التي تَبْهَر العقول،