الْعَالَمِينَ﴾، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقف لحظةً ينتظر قوله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، انتظر قوله: مجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظر قوله: هذا١ بيني وبين عبدي، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها انتظر قوله: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل٢.
ومن ذاق طعمَ الصلاة علم أنه لا يقوم غير التكبير والفاتحة مقامهما، كما لا يقوم غير القيام والركوع والسجود مقامها، فلكل عبودية من عبودية الصلاة سرٌّ وتأثير وعبوديةٌ [٥١ ب] لا تحصل من غيرها، ثم لكل آية من آيات الفاتحة عبودية وذوق ووَجْدٌ يخصها.
فعند قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تجد تحت هذه الكلمة إثباتَ كل كمال للرب تعالى فعلًا ووصفًا واسمًا، وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلًا ووصفًا واسمًا، فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، منزَّهٌ عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه، فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها٣ أوصاف كمال٤ ونعوت جلال، وأسماؤه كلها حسنى، وحمده قد ملأ
(١) ع، ك: "هذه".
(٢) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (٣٩٥) عن أبي هريرة.
(٣) "حكمة ... كلها" ساقطة من ك.
(٤) ع: "الكمال".
الدنيا والآخرة والسموات والأرض وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر صادر عن حمده وقائم بحمده ووُجِد بحمده، فحمده هو سبب وجود كل موجود، وهو غاية كل موجود، وكلُّ موجود شاهد بحمده، وإرساله رسلَه١ بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عمرتْ بأهلها بحمده، والنار عمرتْ بأهلها بحمده٢، وما أُطِيعَ إلا بحمده، ولا٣ عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده.
وهو المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد٤، كما أنه٥ الواحد الأحد ولو لم يُوحِّده العباد، والإله الحق وإن لم يُؤلِّهوه٦، وهو سبحانه الذي حَمِد نفسَه على لسان القائل: الحمد لله رب العالمين، كما قال النبي ﷺ: "إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده"٧. فهو الحامد لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه، وإجراؤه بحمده، [٥٢ أ] فله الحمد كله،