وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فهذه المعرفة من عبودية الحمد.
ومن عبوديته أيضًا أن يعلم أن حمده لربه سبحانه نعمة منه عليه، يستحق عليها الحمدَ، فإذا حمده على هذه النعمة استوجب عليه حمدًا آخر على نعمة حمده، وهلمَّ جرًّا. فالعبد ولو استنفد أنفاسَه كلَّها في حمده على نعمة من نعمه، فإنّ١ ما يجب له من الحمد ويستحقه فوق ذلك وأضعافه، ولا يُحصِي أحد البتة ثناءً عليه بمحامده.
ومن عبودية العبد شهودُ العبد لعجزه عن الحمد، وأن ما قام به منه فالرب سبحانه هو المحمود عليه، إذ هو مُجرِيه على لسانه وقلبه.
ومن عبوديته تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد٢ كلها ظاهرةً وباطنةً على ما يحب العبد وما يكرهه٣، فهو سبحانه المحمود على ذلك كله في الحقيقة، وإن غاب عن شهود العبد.
ثم لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية، وأنه كما أنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومُدبِّر أمورهم ومُوجِدهم ومُفنِيهم، فهو وحده إلههم ومعبودهم وملجأهم ومفزعهم٤
(١) الأصل: "كان".
(٢) ع: "الحمد" تحريف.
(٣) ك: "ويكره".
(٤) ع: "مفرجهم".
عند النوائب، فلا ربَّ غيره، ولا إلهَ سواه.
ولقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته، وسعتها لكل شيء، وأخْذ كل موجود بنصيبه منها، ولا سيما الرحمة الخاصة١ التي أقامت عبده بين يديه في خدمته، يناجيه بكلامه ويتملَّقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته، وإتمامَ٢ نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، كما أن حمده وسعَ كل شيء.
ثم يعطي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[٥٢ ب] عبوديتها، ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه٣ يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر، وذلك من٤ تفاصيل حمده وموجبه.
ولما كان قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: حمدني عبدي، ولما كان قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إعادةً وتكريرًا لأوصاف كماله قال: أثنى عليَّ عبدي، فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده