ثمّ شرع له التكبير الذي هو١ في انتقالات الصلاة من ركن إلى ركن، كالتلبية في انتقالات الحاج من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، كما أنَّ التلبية شعار الحج، ليعلم العبد أنَّ سرّ الصلاة هو تعظيم الرب تعالى وتكبيره بعبادته وحده.
ثمّ شرع له أن٢ يخضع للمعبود سبحانه بالركوع خضوعًا لعظمته واستكانةً لهيبته وتذللًا لعزته، فثنَى العبد له صلبه، ووضع له قامتَه، ونكَّس له رأسه، وحنى له ظهره، معظمًا له ناطقًا بتسبيحه المقترن٣ بتعظيمه، فاجتمع له خضوع القلب وخضوع الجوارح وخضوع القول، على أتم الأحوال، وجمع له في هذا الذكر بين الخضوع٤ والتعظيم لربه والتنزيه له عن خضوع العبيد، وأن الخضوع وصف العبد، والعظمة وصف الرب.
وتمام عبودية الركوع أن يتصاغر العبد ويتضاءل بحيث يمحو تصاغُره٥ كلَّ تعظيم منه لنفسه، ويُثبِت مكانه تعظيمَه [٥٤ ب] لربه، وكلما استولى على قلبه تعظيمُ الرب ازداد تصاغره هو عند نفسه،
ثمّ شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه، ورجوعه إلى أحسن هيأته منتصبَ القامة معتدلَها، فيحمد ربه ويثني عليه بأن وفَّقه لذلك الخضوع.
ثمّ نقله منه إلى مقام الاعتدال والاستواء بين يديه، واقفًا في خدمته، كما كان في حال القراءة. ولهذا شرع له من الحمد والثناء والمجد نظير ما شرع له في حال القراءة١ من٢ ذلك. ولهذا٣ الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته، كركن الركوع والسجود سواء، ولهذا كان رسول الله ﷺ يُطيله كما يُطيل الركوع والسجود، ويكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد كما ذكرناه في هديه٤ﷺ، وكان في قيام الليل يُكثِر فيه من قول: "لربّي الحمد، لربّي الحمد"٥، يكررها.
ثمّ شرع له أن يكبّر ويَخِرَّ ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه مسندةً،
(١) "ولهذا شرع ... القراءة" ساقطة من الأصل.
(٢) ك: "في".
(٣) "ولهذا" ليست في الأصل.
(٤) أي "زاد المعاد" (١/ ٢٤٩).
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٨) وأبو داود (٨٧٤) والترمذي في الشمائل (٢٧٠) والنسائي (٢/ ١٩٩، ٢٣١) وغيرهم عن حذيفة بن اليمان. وهو حديث صحيح.