ثمّ شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه، ورجوعه إلى أحسن هيأته منتصبَ القامة معتدلَها، فيحمد ربه ويثني عليه بأن وفَّقه لذلك الخضوع.
ثمّ نقله منه إلى مقام الاعتدال والاستواء بين يديه، واقفًا في خدمته، كما كان في حال القراءة. ولهذا شرع له من الحمد والثناء والمجد نظير ما شرع له في حال القراءة١ من٢ ذلك. ولهذا٣ الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته، كركن الركوع والسجود سواء، ولهذا كان رسول الله ﷺ يُطيله كما يُطيل الركوع والسجود، ويكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد كما ذكرناه في هديه٤ﷺ، وكان في قيام الليل يُكثِر فيه من قول: "لربّي الحمد، لربّي الحمد"٥، يكررها.
ثمّ شرع له أن يكبّر ويَخِرَّ ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه مسندةً،
(١) "ولهذا شرع ... القراءة" ساقطة من الأصل.
(٢) ك: "في".
(٣) "ولهذا" ليست في الأصل.
(٤) أي "زاد المعاد" (١/ ٢٤٩).
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٨) وأبو داود (٨٧٤) والترمذي في الشمائل (٢٧٠) والنسائي (٢/ ١٩٩، ٢٣١) وغيرهم عن حذيفة بن اليمان. وهو حديث صحيح.
راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه١، ويضع أشرفَ ما فيه وهو وجهه بالأرض ولاسيما على التراب٢، مُعفِّرًا له بين يدي سيده، راغمًا له أنفه، خاضعًا له قلبه وجوارحه، متذللًا لعظمته، خاضعًا لعزته٣، مستكينًا٤ بين يديه، أذلَّ شيء وأكسرَه لربه تعالى، مسبِّحًا له بعلوِّه في أعظم سفوله٥، قد صارت أعاليه ملويَّة٦ لأسافله ذلًّا وخضوعًا وانكسارًا، وقد طابق [٥٥ أ] قلبه حال جسمه، فسجد القلب كما سجد الوجه، وقد سجد معه أنفه ويداه وركبتاه ورجلاه، وشرع له أن يُقِلَّ فخذيه عن ساقيه، وبطنَه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، ليأخذ كل جزء منه حظَّه من الخضوع، ولا يحمل بعضه بعضًا، فأحْرِ به٧ في هذه الحال أن يكون أقربَ إلى ربه منه في غيرها من الأحوال، كما قال النبي ﷺ: "أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"٨. ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه أمكنه استدامة هذا السجود إلى يوم اللقاء٩. كما
(١) "مسندة، راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه" ساقطة من ع، ك.