مسألة السماع

ثمّ شرع له أن يرفع رأسه ويعتدل جالسًا، ولما كان هذا الاعتدال١ محفوفًا بسجودين: سجود قبله وسجود بعده، فينتقل من السجود إليه ثمّ منه إلى السجود، كان٢ له شأن. فكان رسول الله ﷺ يُطيله بقدر السجود، ويتضرع فيه٣ إلى ربه ويستغفره، ويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته٤، وله ذوق خاص وحال للقلب غير ذوق السجود وحاله، فالعبد في هذا القعود قد تمثَّل جاثيًا بين يدي ربه، مُلقيًا نفسه بين يديه، معتذرًا إليه مما جناه، راغبًا إليه أن يغفر له ويرحمه مستعديًا على نفسه الأمَّارة بالسوء. وكان النبي ﷺ يكرر الاستغفار٥، في هذه القعدة، ويكثر رغبته٦ إلى الله فيها.

فمثِّلْ نفسَك بمنزلة غريمٍ عليه حق الله وأنت كفيل به، والغريم مماطلٌ٧ مخادع، وأنت مطلوب بالكفالة، والغريم مطلوب بالحق، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج ما عليه من الحق لتتخلص من

  1. (١) ع: "الجلوس".
  2. (٢) ع: "وكان".
  3. (٣) "فيه" ليست في ك.
  4. (٤) كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود (٨٥٠) والترمذي (٢٨٤) وابن ماجه (٨٩٨) عن ابن عباس. وإسناده حسن. وقال الترمذي: حديث غريب. وصححه الحاكم (١/ ٢٦٢، ٢٧١).
  5. (٥) كما في حديث حذيفة الذي سبق تخريجه (ص ١٣٣).
  6. (٦) ع: "الرغبة".
  7. (٧) ك: "باطل".
136

المطالبة. والقلب شريك النفس في الخير١ والشر والثواب والعقاب والحمد والذم، والنفس من شأنها الإباق والخروج من رِقّ العبودية، وتضييع حقوق الله التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكه وأسيره إن قوي سلطانه.

فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله [٥٦ أ] مستعديًا على نفسه، معتذرًا إلى ربه مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه. وهذه الخمس هي جماع٢ خير الدنيا والآخرة، فإنَّ العبد محتاج بل مضطرٌّ إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضارِّ عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء، فإنَّ الرزق يَجلِبُ له مصالحَ دنياه، والعافية تدفع عنه٣ مضارَّها، والهداية تَجلِب له مصالحَ٤ أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارَّها، والرحمة تجمع ذلك كله.

وشرع له أن يعود ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد، لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله، حتى إنَّه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد، وهو أدخل في

  1. (١) ع: "بالخير".
  2. (٢) "جماع" ليست في ك.
  3. (٣) "عنه" ليست في الأصل.
  4. (٤) "دنياه ... مصالح" ساقطة من ك.
137

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي