المطالبة. والقلب شريك النفس في الخير١ والشر والثواب والعقاب والحمد والذم، والنفس من شأنها الإباق والخروج من رِقّ العبودية، وتضييع حقوق الله التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكه وأسيره إن قوي سلطانه.
فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله [٥٦ أ] مستعديًا على نفسه، معتذرًا إلى ربه مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه. وهذه الخمس هي جماع٢ خير الدنيا والآخرة، فإنَّ العبد محتاج بل مضطرٌّ إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضارِّ عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء، فإنَّ الرزق يَجلِبُ له مصالحَ دنياه، والعافية تدفع عنه٣ مضارَّها، والهداية تَجلِب له مصالحَ٤ أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارَّها، والرحمة تجمع ذلك كله.
وشرع له أن يعود ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد، لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله، حتى إنَّه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد، وهو أدخل في
(١) ع: "بالخير".
(٢) "جماع" ليست في ك.
(٣) "عنه" ليست في الأصل.
(٤) "دنياه ... مصالح" ساقطة من ك.
العبودية وأعرقُ١ فيها من غيره، ولهذا جُعِل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلُّه من الصلاة محل طواف الزيارة، وما قبله٢ من التعريف وتوابعه مقدمات بين يديه، وكما أنَّه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف. ولهذا قال بعض الصحابة٣ لمن كلمه في طوافه بأمر من الدنيا: "أتقول هذا ونحن نتراءى لله في طوافنا؟ ". ولهذا والله أعلم جعل الركوع قبل السجود تدريجًا وانتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه.
وشرع له تكرير هذه الأفعال والأقوال، إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قِوامَ لهما٤ إلَّا بها، فكان [٥٦ ب] تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يُشبِع، والشرب حتى يُروِي، فلو تناول الجائع لقمة واحدة وأقلع عن٥ الطعام، ماذا كانت تُغني عنه؟
ولهذا قال بعض السلف٦: "مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع، إذا قُدِّم إليه طعام فتناول منه لقمةً أو لقمتين، ماذا
(١) ع، ك "وأعرف".
(٢) ك: "قبلها".
(٣) هو ابن عمر كما في طبقات ابن سعد (٤/ ١٦٧).
(٤) ك: "لها".
(٥) في النسخ: "عنه".
(٦) ورد نحوه في حديث مرفوع عن أبي عبد الله الأشعري، أخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. انظر "مجمع الزوائد" (٢/ ١٢١).