مسألة السماع

والثاني: فعلٌ يفعله العبد عبوديةً لربه، وهو مُوجَبُ حكمِه الديني الأمري١.

وكلا الأمرين يُوجِبان٢ تسليمَ النفس إليه تعالى، ولهذا اشتُقَّ له اسمُ الإسلام من التسليم، فإنه لما أسلم نفسَه لحكم ربه الديني الأمري، ولحكمه الكوني القدري، بقيامه بعبوديته فيه لا باسترساله معه، استحقَّ اسمَ الإسلام، فقيل له مسلم. ولما اطمأنَّ قلبه بذكره وكلامه ومحبته وعبوديته، سكن إليه وقَرّتْ عينُه به، فنال الأمانَ بإيمانه.

= كان٣ قيامُه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا له، لا حياةَ له ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلا بهما.

ولمّا كان ما بُلِيَ به من النفسِ الأمّارة والهوى المقتضِي والطباع المطالِبة والشيطان المُغوِي، يقتضي منه إضاعةَ حظِّه من ذلك أو نقصانَه، اقتضتْ رحمةُ العزيز الرحيم أن شرَعَ له الصلاة مُخلِفَةً عليه ما ضاعَ منه، رادّةً عليه٤ ما ذهب، مجدِّدةً له ما أخلقَ من إيمانه، وجُعِلتْ صورتُها على صورة أفعاله خشوعًا وخضوعًا وانقيادًا وتسليمًا، وأَعطَى٥

  1. (١) ع: "الأمري" ليست في ع.
  2. (٢) ك: "موجبان".
  3. (٣) هذا جواب: "لما كان العبد بين أمرين من ربه ... " قبل أسطر.
  4. (٤) "عليه" ليست في ك.
  5. (٥) ع: "وإعطاء".
148

كلَّ جارحةٍ من الجوارح حظَّها من العبودية، وجعلَ ثمرتَها وروحَها إقبالَه على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القربَ منه ونيلَ كرامته في الدنيا والآخرة، وجعلَ منزلتَها ومحلَّها الدخولَ على الله ﵎ والتزينَ للعرض عليه، تذكيرًا بالعرضِ الأكبر عليه يومَ اللقاء.

وكما أن الصوم ثمرته تطهيرُ النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم [٦٠ أ] النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعلَ الجنة ثمنَها، فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ من ثمراتِ الأعمال. ولذلك لم يقل النبي ﷺ: جُعِلت قرةُ عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: "وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"١.

وتأمَّلْ قولَه: "جُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"، ولم يقل "بالصلاة" إعلامًا بأن عينَه إنما تَقَرُّ بدخوله فيها، كما تَقَرُّ عينُ المحب بملابسته لمحبوبه، وتَقَرُّ عينُ الخائفِ بدخوله٢ في محل أمنِه، فقرةُ العينِ

  1. (١) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٨، ١٩٩) وأبو يعلى (٣٤٨٢) والطبراني في "الأوسط" (٥١٩٩) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٧٨) من طرق عن سلام أبي المنذر عن ثابت عن أنس، وإسناده حسن. وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٠). وقال الذهبي في "الميزان" (٢/ ١٧٧): إسناده قوي. وحسَّنه ابن حجر في "التلخيص" (٣/ ١٣٣).
  2. (٢) "فيها ... بدخوله" ساقطة من ك.
149

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي