بالدخول في الشيء أكملُ وأتمُّ من قرة العين به قبل الدخول فيه١. ولما جاء إلى راحة القلب من تعبِه ونَصَبِه قال: "يا بلالُ أرِحْنا بالصلاة"٢ أي أقِمْها لنستريحَ بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزلِه٣ وقرّ فيه وسكن.
وتأمَّلْ كيف قال: أرِحْنا بها، ولم يقل: أرِحْنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغُرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعةً عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لا بدّ له منها، فهو قائل بلسان حاله وقالِه٤: نصلِّي ونستريح من الصلاة، لا بها، فهذا لونٌ وذاك لون آخر، فالفرق بين مَن كانت الصلاة لجوارحه٥ قيدًا ولقلبه سجنًا ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه٦ نعيمًا، ولعينه قرة، ولجوارحه٧ راحة، ولنفسه بستانًا ولذة.
فالأول الصلاة سجنٌ لنفسه وتقييدٌ لها عن التورط في مساقط
(١) "فيه" ليست في الأصل.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٤) وأبو داود (٤٩٨٥) من طريق سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم مرفوعًا، ورجاله ثقات. وفي إسناده اختلاف. انظر علل الدارقطني (٤/ ١٢٠) وتعليق المحقق على المسند (٣٨/ ١٧٩).
(٣) في الأصل، ك: "نوله". ع: "منزله".
(٤) ك: "بلسان قالبه" تحريف.
(٥) في الأصل: "لحوائجه". والمثبت من ك، ع.
(٦) ع: "له".
(٧) في الأصل: "ولحوائجه". والمثبت من ك، ع.
الهلكات، وقد ينالون١ بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم٢، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. [٦٠ ب] فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه وبالمنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾[الشعراء: ٤١ - ٤٢].
فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من٣ وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه٤ في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار٥ الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنَّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلَّى له في كلامه.