مسألة السماع

الهلكات، وقد ينالون١ بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم٢، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. [٦٠ ب] فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه وبالمنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢].

فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من٣ وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه٤ في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار٥ الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنَّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلَّى له في كلامه.

فهذه إشارةٌ مّا ونبذة يسيرة جدًّا في ذوق الصلاة.

  1. (١) ك: "ينالوا".
  2. (٢) ع: "لقلوبهم".
  3. (٣) "من" ليست في ع.
  4. (٤) في الأصل، ك: "لأن ما". ع: "لأنها". والمثبت يقتضيه السياق.
  5. (٥) ع: "وبحار". والمثبت من الأصل، ك.
151

فصل

فنُناشِد أهلَ السماع بالله الذي لا إله إلا هو: هل لهم في السماع مثلُ هذا الذوق أو شيء منه١؟ بل نُناشِدهم بالله٢ هل يَدَعُهم السماع يجدون هذا الذوقَ في الصلاة؟ ونحن نَحلِف عنهم أن ذوقهم ضدُّ هذا الذوق، ومشربهم ضدّ هذا المشرب. ولولا خشية الإطالة لذكرنا نبذةً من ذوقهم تدلُّ على ما وراءها، ولا يخفى على من له أدنى حياةِ قلبٍ، الفرقُ بين ذوق الأبيات وذوق الآيات٣، وبين ذوق القيامِ بين يَدَيْ رب العالمين والقيامِ بين يَدَيِ المغنّي، وبين ذوقِ اللذة والنعيم بمعاني ذكر الله وكلامه وذَوقِ معاني الغناء الذي هو رقية الزنا والتلذذ بمضمونها، فما اجتمع واللّهِ الأمرانِ في قلبٍ إلا وطردَ أحدهما صاحبَه، ولا تجتمع بنتُ عدوِّ الله وبنتُ رسولِ الله عند رجلٍ واحدٍ أبدًا٤.

  1. (١) في الأصل: "منهم". والمثبت من ك، ع.
  2. (٢) ك: "الله".
  3. (٣) "وذوق الآيات" ساقطة من ك.
  4. (٤) سبق تخريج الحديث الذي أشار إليه المؤلف. وفي الأصل بعد هذا: "آخر الجزء الأول من هذه الفتيا، ويتلوه إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني فصل في عقد مجلس في المناظرة بين صاحب القرآن وصاحب السماع. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا". وبعده (ق ٦١ ب-٦٤ ب) "فصل في الصلاة" لشيخ الإسلام ابن تيمية، نشرتُه في "جامع المسائل" (٣/ ٣٥١ - ٣٦٠). وفي ك: "آخر جواب الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن القيم في هذه المسألة قدس الله روحه ونور ضريحه".
152

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي