قال الشيخ الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الحنبلي إمام الجوزية في تمام الجواب عن الفتيا الواردة في السماع سنة أربعين وسبعمائة، التي١ أجاب فيها العلماء من المذاهب الأربعة ﵃ أجمعين٢:
فصل
في عقد مجلس يتضمن مناظرةً بين صاحب غناءٍ وصاحب قرآن، أدلَى كل واحد منهما بحجته، ورضيا بتحكيم مَن آثر عقلَه ودينَه على هواه، وكان الحق الذي بعث الله به رسوله أحبَّ إليه مما سواه.
فجلس مجلسَ الحكم بين الخصمين، ونظر بعين النصيحة لنفسه في كل واحد من المحتجَّينِ٣، وعزلَ حميةَ٤ الجاهلية وعصبية الفرقة الباطنية، ووالَى٥ مَن والاه الله ورسوله وعباده المؤمنون، ﴿وَمَا
* قال صاحب الغناء١: قد أمر الله رسولَه أن يُبشِّر مَن استمع القول واتّبع أحسنَه، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[الزمر: ١٧ - ١٨]. قال: والألف واللام في القول تقتضي العموم والاستغراق، والدليل عليه أنه مدحهم باتّباع الحسن٢ من القول، وهذا يعمُّ كلَّ قول، فيدخل فيه قول السماع وغيره.
* قال صاحب القرآن: قد كان ينبغي لك أن تُوقِّر كلامَ الله وتُجِلَّه أن تُنزِّلَه على أقوال المغنين والمغنيات وإخوانهم من النائحين والنائحات، وأن يُحمَل على رقية الزنا ومُنبِتِ النفاق وداعي الغيّ والهوى، فيكفي في فساد هذا٣ القول أنه لم يقله قبلك أحد [٦٦ أ] من أئمة التفسير على اختلاف طبقاتهم.
ويدل على بطلانه وأنه يمتنع أن يُراد بكلام مَن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجوه عديدة: