فإذا كان الله ﷾ قد أثنى على مَن أعرض عن اللغو ومرّ به كريمًا، فأكرم نفسه عن استماعه، فكيف يجوز أن يقال: إن الألف واللام للاستغراق؟ ويُنسَب إلى الله سبحانه أنه مدح مستمع كل قول؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ٣٦﴾[الإسراء: ٣٦].
[٦٦ ب] فقد أخبر سبحانه أنه يسأل العبدَ١ عن سمعه وبصره وفؤاده، ونهاه أن يَقفُوَ أي يتبع ما ليس له به علم.
وإذا كان السمع والبصر والكلام والفؤاد منقسمًا إلى ما يؤمر به ويُنهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك كله، فكيف يجوز أن يقال: كلُّ قول في العالم فالعبد ممدوحٌ على استماعه؟ ونظير هذا أن يقال: كل مرئيٍّ في العالم فالعبد ممدوحٌ على النظر إليه، لقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾[الأعراف: ١٨٥].
ولهذا دخل الشيطان عليكم وعلى كثير من النسَّاك من٢ هذين المدخلين، إذ توسعتم في النظر إلى الصور المنهيِّ عن النظر إليها، وفي استماع الأقوال والأصوات التي نُهِيتم عن استماعها. ولم يَكتفِ
(١) "العبد" ليست في ع.
(٢) في الأصل: "في".
الشيطان بذلك منكم حتى زَيّنَ لكم أن جعلتم ما نهيتم عنه عبادةً وقربةً وطاعة، وهذه هي١ لطيفة إبليس فيكم التي تقدم ذكرها٢. وهي قوله: "لي فيكم لطيفةُ السماع وصحبةُ الأحداث".
الوجه الثاني: أن المراد بالقول في هذه الآية التي احتججتم بها القرآن، كما جاء ذلك في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾[المؤمنون: ٦٨]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾[القصص: ٥١]. فالقول الذي بشَّر مستمعيه ومتبعي أحسِنه هو القول الذي وصَّلَه وحضَّ٣ على تدبره، وكلام الله يُفسِّر بعضُه بعضًا، ويُحمَل بعضُه على بعض.
الوجه٤ الثالث: أن الألف واللام هنا لتعريف العهد، وهو القول الذي دُعِيَ إليه المخاطب وأُمِرَ بتدبره، وأُخبِر بتوصيله٥ له، وهو كالكتاب والقرآن. والألف واللام فيه كالألف واللام٦ في الكتاب سواء، [٦٧ أ] وكذلك الألف واللام في الرسول في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾[الفرقان: ٣٠]، وفي قوله: ﴿لَا