الوجه التاسع١: أنكم معاشرَ السماعاتية المحتجين بهذه الآية لا تَستحسِنون استماعَ٢ كل منظوم ومنثور، بل أنتم من أعظم الناس كراهةً لما لا تحبونه من الأقوال منثورِها ومنظومها، وأشدِّهم نفرةً عن ذلك، ونفورُكم عما لا تحبونه وتهوَونه من الأقوال أعظم من نفور المنازع لكم عن٣ سماع المكاء والتصدية، فهلَّا أدخلتم الأقوال التي تخالف أهواءكم وما تحبونه في القول الذي أثنى الله على من استمعه واتبع أحسنه؟ هذا مع أنَّه قطعًا أحسنُ من أقوال المغنين وأنفعُ للقلب في الدنيا والآخرة، ولكن ذنب هذا القول مخالفته لهواكم وما ابتدعتموه.
فإن كان العموم في الآية مرادًا فقد بطلتْ حجتكم، وإن لم يكن مرادًا فقد بطلتْ أيضًا، فتبين بطلان استدلالكم على التقديرين، وبالله التوفيق.
الوجه العاشر٤: أنَّه سبحانه قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾[الزمر: ١٧ - ١٨]، فمدحهم باستماع القول واتباع أحسنه، ومن المعلوم أنَّ كثيرًا من القول بل أكثره ليس فيه حُسْنٌ [٦٩ أ] فضلًا عن أن يكون أحسنَ، بل غالب القول يَكُبُّ قائلَهُ في النار على مَنْخَرِه.
والأقوال التي ذمَّها الله في كتابه أكثر من أن تُعَدَّ، كالكلام الخبيث،
(١) في النسختين: "الوجه الثامن".
(٢) "استماع" ليست في ع.
(٣) ع: "من".
(٤) في النسختين: "التاسع".
والقول الباطل، والقول عليه بما لا يعلم القائل، والكذب، والافتراء، والغيبة، والتنابز بالألقاب، والتناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتبييت ما لا يرضى من القول، وقول العبد بلسانه ما ليس في قلبه، وقوله ما لا يفعله، وقول اللغو، وقول ما لم يُنزِّل به سلطانًا، والقول المتضمن للشفاعة السيئة، والقول المتضمن للمعاونة على الإثم والعدوان١، وأمثال ذلك من الأقوال المسخوطة والمبغوضة للرب تعالى، التي كلها قبيحة لا حَسَنَ فيها ولا أحَسَنَ.
فادعاء العموم في الآية في غير القول الذي أنزله الله على رسوله من الكتاب والسنة من أبطل الباطل.
الوجه الحادي عشر٢: أنه سبحانه علَّق الهدايةَ على اتباع أحسن هذا القول، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ١٨﴾[الزمر: ١٧ - ١٨]. ومن المعلوم بالاضطرار أن الهداية إنما حصلتْ لمن اتبع القرآن، فهو الذي هداه الله، فأين الهدى٣ في أقوال المغنين والمغنيات؟
وبالجملة ففساد هذا القول الذي حملتم عليه كتابَ الله وألصقتموه
(١) ذكر شيخ الإسلام في "الاستقامة" (١/ ٢٣١، ٢٣٢) الآيات التي ورد فيها ذكر هذه الصفات، والمؤلف أشار إليها إشارةً.