فجوِّزوا لهم شُربَها في الدنيا على طرد قولكم. وأيضًا فإنهم في الجنة يأكلون ويشربون في صِحاف الذهب والفضة، وقد قال ﷺ: "هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة"١. وطردُ قولكم أنها كما هي للمسلمين في الآخرة، تكون مباحةً لهم في الدنيا، وقد قال النبي ﷺ: "من شرب الخمرَ في الدنيا لم يشربها في الآخرة"٢. و"من لبسَ الحريرَ في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"٣، وقال في صِحاف الذهب والفضة: "هي لهم في الدنيا ولنا في الآخرة"٤.
فأخبر أنه من استعمل هذه الأمور في الدنيا من المطعوم والملبوس وغيرهما لم يستعملها في الآخرة، فإما أن يستعملها أهل الجنة ويُحْرَمها هو وإن دخلها، كما روى ابن أبي حاتم٥: حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا حسن يعني ابن علي بن حسن البراد عن حميد الخراط عن محمد بن كعب قال: "من شرب الخمر٦ في الدنيا لم يشربها في الآخرة". قال: قلت: فإنه تاب حتى أدخله الله الجنة،
(١) أخرجه البخاري (٥٤٢٦، ٥٦٣٢) ومسلم (٢٠٦٧) عن حذيفة.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٣/ ٧٨) عن ابن عمر.
(٣) أخرجه البخاري (٥٨٣٤) عن عمر، ومسلم (٢٠٧٣) عن أنس، و(٢٠٧٤) عن أبي أمامة.
(٤) سبق تخريجه تقريبًا.
(٥) لم أجد النص في "تفسيره" المطبوع.
(٦) في الأصل: "شربها".
والله تعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾[فصلت: ٣١] قال: يُنسِيهم الله ذكرَها.
أو أن١ ذلك وعيدٌ٢ له بأنه لا يدخل الجنة، فإن هذه الأمور يستعملها أهل الجنة، فمن لم تحصل له في الآخرة [٧١ أ] لم يكن من أهل الجنة. وهما٣ تأويلان للسلف في هذه الأحاديث.
فلو قيل: إن هذا السماع اللذيذ الموعود به في الجنة إنما هو لمن نزَّه٤ سمْعَه في الدنيا عن سماع الغناء والملاهي، اعتبارًا بنظيره من اللباس وشرب الخمر واستعمال آنية الذهب والفضة، لكان هذا أشبهَ بالصواب، وأصحَّ من استدلالكم على إباحته في الدنيا باستعمال أهل الجنة له.
وقد جاء الأثر بما قلنا صريحًا، وهو ما روى أبو بكر بن أبي الدنيا٥: حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا عبد الله بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الذين كانوا يُنزِّهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟
(١) السياق: "فإما أن يستعملها أهل الجنة ... أو أن ذلك وعيد". وفي ع: "وإما".