أحمد. بل حُفظ عنهم أنه يُنبِت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. صح ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁، وقال الشافعي: الغناء لهوٌ مكروه شبيهٌ بالباطل، من استكثر منه فهو سفيه تُردُّ شهادته١.
ولو كان قربةً وطاعة لكان المستكثر منه من خيار الأمة، وقد حكم غير واحد من أهل العلم على أن مدعي ذلك مخالف لإجماع المسلمين.
قال القاضي أبو الطيب الطبري٢ وغيره: وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعة، ورأت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة. وليس في الأمة من رأى هذا الرأي. فعبد الله بن مسعود لكمال علمه وفقهه في الدين، ومعرفته بأحوال القلوب ومفسدات الأعمال، أخبر أن الغناء مادة النفاق، يُنبِته في القلب ويُنمِّيه كما يفعل الماء في البقل٣، وكذلك قوله: "الغناء رقية الزنا"٤. والشافعي لوفور علمه ومعرفته ومحله الذي أحلَّه الله به من الدين علم أن هذا مما يَصُدُّ القلوب عن القرآن ويُعوِّضها به
(١) سبق تخريج هذه الآثار والأقوال.
(٢) انظر رسالته "الرد على من يحب السماع" (ص ٣٢).
(٣) سبق تخريجه. وفي ع: "بالبقل".
(٤) روي ذلك عن الفضيل بن عياض، أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٥٧)، والبيهقي في "الشعب" (٥١٠٨). وانظر "الدر المنثور" (١١/ ٦٢٠).
كما هو الواقع، فعلم أن هذا إنما قصده زنديق منافق، يقصد اقتطاعَ القلوب عن الإيمان وصدَّها عن القرآن، ليستعد لقبول ما يلقيه فيها الشيطان من البدع والشبهات والشهوات.
قال إمام الزنادقة ابن الراوندي: اختلف الفقهاء في السماع، فقال بعضهم: هو مباح، وقال بعضهم: هو محرم، وعندي أنه واجب. ذكره أبو عبد الرحمن السلمي عنه١ في "مسألة السماع"٢ واعتضد به. وكذلك [٧٣ أ] شيخ الملاحدة وإمامهم ابن سينا في الإشارات٣ أمر بسماع الألحان وعشق الصور، وجعل ذلك مما يُزكِّي النفوس ويُهذِّبها٤ ويُصفّيها، وقبله معهم٥ معلمهم الثاني أبو نصر الفارابي إمام أهل الألحان٦. فرضي الله عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وجزاه عن نصيحته للإسلام خيرًا، فكل هذا مما يشهد لقوله: إن غناء التغبير من إحداث الزنادقة.
(١) "عنه" ليست في ع.
(٢) كما ذكره شيخ الإسلام في "الاستقامة" (١/ ٢٣٩) و"مجموع الفتاوى" (١١/ ٥٧٠) ورسالة السلمي توجد مخطوطة في مكتبة كوبريللي برقم (١٦٣١) (الورقة ١٣١ أ ــ ١٣٨ ب).