إذا عُرِف هذا فنحن نذكر ما في هاتين المقدمتين اللتين لُبِّسَ فيهما الحق بالباطل، واستولد من سفاحهما هذا الولد الذي هو شر الثلاثة، أن هذا السماع طاعة وقربة.
أما احتجاجكم بأن النبي ﷺ سمع ما أُنشِد بين يديه من الشعر ولم ينكره، وأنه قال ما يُشبِه الشعر.
فنقول في الشعر١ ما قاله الأئمة٢: "إنه كلام، فحسنه حسن وقبيحه قبيح".
وقد ثبت في الصحيح٣ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن من الشعر حكمة". وكانَ يَنصِب لحسان منبرًا ينشد عليه الشعر الذي يهجو به المشركين، وقال: "اللهم أيِّدْه بروح القدس"٤. وقال: "إن روح القدس معك ما دُمتَ تُنافِحُ عن نبيه"٥. وقال عن عبد الله بن رواحة: "إن أخًا
(١) "في الشعر" ليست في ع.
(٢) قاله الشافعي كما في "مناقب الشافعي" (٢/ ٦٠). وروي مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٢٥)، ومن حديث عائشة، أخرجه أبو يعلى كما في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٢٢). ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (١٢٥) موقوفًا على عائشة. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٤٤٧) بمجموع الطرق.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٤٥) عن أبي بن كعب ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٦١٥٢) ومسلم (٢٤٨٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه مسلم (٢٤٩٠) عن عائشة ﵂.
لكم لا يقول الرفَثَ"١. وعبد الله بن رواحة هو القائل٢:
وفينا رسولُ الله يتلو كتابَهإذا٣ انشقَّ معروفٌ من الفجر ساطعُ
أرانا الهدى بعدَ العمى فقلوبنابه مُوقِناتٌ أنَّ ما قال واقعُ
يَبيِتُ يُجافِي جنبَه عن فِراشهإذا استثقَلتْ بالكافرين [٧٣ ب] المضاجعُ
وقد استنشد النبي ﷺ الشَّرِيدَ بن سُويد مائةَ قافيةٍ من شعر أميةَ بن أبي الصَّلْتِ، وهو يقول: "هِيْهِ هِيْهِ"٤. وسمع قصيدة كعب بن زهير٥. وأنشدته عائشة شعر أبي كبير٦ الهذلي وقالت: أنت أحقُّ به، فاستنشدها إياه فأنشدته:
وإذا نظرتَ إلى أَسِرَّةِ وجهِهِبَرَقَتْ كبَرْقِ العارضِ المتهلِّل
فقال: "جزاكِ الله خيرًا يا عائشة"٧.
(١) أخرجه البخاري (٦١٥١) عن أبي هريرة.
(٢) الأبيات في المصدر السابق.
(٣) في الأصل: "كما". والمثبت من ع.
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٥٥) عن الشريد.
(٥) قصته معروفة مذكورة في "سيرة ابن هشام" (٢/ ٥٠٢ وما بعدها)، و"البداية والنهاية" (٧/ ١٢٥ وما بعدها) وغيرهما. والقصيدة في "ديوانه" (ص ٦ - ٢٥).
(٦) في النسختين: "أبي كثير" تصحيف.
(٧) أخرجه البيهقي (٧/ ٤٥٢) والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٢٥٢، ٢٥٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣/ ٣٠٧ - ٣١٠). وانظر "البداية والنهاية" (٨/ ٤٠٠، ٤٠١). والبيت من قصيدة أبي كبير الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" (٣/ ١٠٦٩)، و"ديوان الحماسة" (١/ ٧٤). وفي الأصل: "أبو كثير" تصحيف.