ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةًبوادٍ وحَوْلي إذخِرٌ وجَليلُ
وهل أرِدَنْ يومًا مِياهَ مجنَّةٍوهل يبدُوَنْ لي شامةٌ وطَفِيْلُ١
وكان الصحابة يتناشدون الأشعار بين يدي رسول الله ﷺ وهو يتبسَّم٢. وأنشد حسان في مسجد رسول الله ﷺ، فمرَّ به عمر بن الخطاب فجعل يَلحَظُه، فقال: لقد أنشدتُ فيه وفيه من هو خير منك، يريد رسول الله ﷺ، فسكت عمر٣. وهذا باب أوسع من أن نستقصيه.
وقد كان الصحابة يرتجزون في الحرب، وكان يُحدَى بين يدي النبي ﷺ بالشعر في الحل والحرم، وكانوا ينشدون الشعر وهم محرمون. وقد أخبر الله سبحانه أن من الشعراء من يؤمن بالله ويعمل صالحًا ويذكر الله كثيرًا، وهؤلاء ثُنْيَةُ الله من الشعراء، فلم يذمَّ هؤلاء، بل مدحهم على انتصارهم من بعدما ظُلِموا. ولهذا قال النبي ﷺ: "لأن يَمتلئ جوفُ أحدكم قيحًا حتى يَرِيَه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا"٤. فذمَّ الجوف الممتلئ بالشعر الذي اشتغل به صاحبه عما فيه سعادته من العلم والإيمان والقرآن، وذكر الله كثيرًا، فإن الجوف [٧٥ أ] إذا امتلأ
(١) هو ضمن الحديث السابق.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٥٠) عن جابر بن سمرة، وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢١٢) ومسلم (٢٤٨٥) عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه البخاري (٦١٥٥) ومسلم (٢٢٥٧) عن أبي هريرة.
بذلك لم يمتلئ من الشعر. ولهذا قال الشافعي ﵀: الشعر كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه١. وقال في التغبير: إنه من إحداث الزنادقة يَصُدُّون به الناس عن القرآن. فبيَّن ﵀ أن إباحة أحدهما لا يستلزم إباحة الآخر.
فصل
إذا عُرِف هذا فقولك أيها السماعي: إذا جاز سماع الشعر بغير الألحان جاز سماعه بالألحان الطيبة، إذ لايتغير الحكم بسماعه بالألحان= فحجة فاسدة جدًّا من وجوه٢، وهي إلى أن٣ تكون حجة٤ عليك أقربُ من كونها حجة لك، فإن نفس سماع الألحان مجردًا عن كلام يحتاج إلى إثبات إباحته منفردًا، وهل هذا إلا٥ المورد الذي ينازعك فيه صاحب القرآن؟ ومن المعلوم أن أكثر المسلمين على خلاف قولك فيه، كما تقدم حكايته عن الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم.
الوجه الثاني: أنه لو كان كل واحد من الشعر والتلحين مباحًا