وقال: "للهُ أشدُّ أذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته"١.
ومع هذا فلا يسوغ أن يقرأ٢ القرآن بألحان الغناء، ويُقْرن به من الألحان وآلات اللهو ما يُقْرن بالغناء، حتى ولا عند من يقول بإباحة ذلك في الشعر، بل المسلمون مجمعون على تحريمه، وطردُ دليلِك جواز ذلك، بل هو بعينه يقتضيه.
فإنك٣ قلت: إذا جاز سماع الأشعار بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان الطيبة٤، هذا ظاهر من الأمر، هذا نص دليلك، [٧٦ أ] فهل يُمكِنك طردُه، وتقول: إذا جاز سماع القرآن بغير الألحان الطيبة جاز سماعه بها، ولا٥ يتغير الحكم؟ فإن قلت ذلك خالفتَ إجماع الأمة، وبطلتَ٦، وإن قلت: لا يلزم من جواز استماعه
(١) أخرجه أحمد (٦/ ١٩) وابن ماجه (١٣٤٠) والحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٧٠، ٥٧١) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٣٠) عن فضالة بن عبيد، وإسناده ضعيف، فإن إسماعيل بن عبيد لم يدرك فضالة بن عبيد، فهو منقطع.
(٢) ع: "فلا نشرع نقرأ" تصحيف.
(٣) في الأصل: "فإن".
(٤) "الطيبة" ليست في الأصل.
(٥) في الأصل: "إذ لا".
(٦) "وبطلت" ليست في ع.
بدون الألحان الطيبة جوازُ اقترانه١ واستماعه بها، أبطلتَ دليلك. فقد تبين بطلانه على التقديرين.
فصل
وأما المقدمة الثانية وهي قولك: إن ما أوجبَ للمستمع توفُّرَ الرغبة على الطاعات وتذكُّرَ ما أعدَّ الله لعباده المتقين من الدرجات، ويَحمِله على التحرُّز من الزلات، ويؤدي إلى قلبه من صفاء الواردات، فهو مستحب في الدين ومختار في الشرع.
فنقول في تحقيق هذه المقدمة: إن الله سبحانه يحبُّ الرغبةَ فيما أمر به، والحذرَ مما٢ نهى عنه، ويحب أهل الإيمان بوعده ووعيده، ويحب القائمين بمحابِّه من خشيته ورجائه٣ والإنابة إليه والتوكل عليه، وسائر ما يحبه ويرضاه من عبده ظاهرًا وباطنًا، ويحب السماع الذي يُحصِّل محبوبَه، فإن الوسائل إلى المحبوب٤ محبوبة، والوسائل إلى المسخوط مسخوطة.
فهذه المقدمة التي ذكرتَها٥ أيها السماعاتي مبناها على أصلين: