فالشريعة التي جعله ربه عليها تتضمن ما أمره به ورضيه له، وكل عمل وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه الشريعة التي جعله عليها فباطل وضلال، وهو من أهواء الذين لا يعلمون، فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينًا، وينهى عما يُبغِضه ويذمّه إلا بهُدًى من الله، وهو شريعته التي جعل عليها رسوله، وأمره والمؤمنين باتباعها. ولهذا كان السلف يسمون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، فيذمُّونهم بذلك ويحذّرون عنهم، ولو ظهر عنهم ما ظهر من العلم والعبادة والزهد والفقر والأحوال والخوارق.
قال يونس بن عبد الأعلى١: قلت للشافعي: تدري ما قال صاحبنا؟ يريد الليث بن سعد، كان يقول: [٧٩ أ] لو رأيته ــ يريد صاحب البدعة ــ يمشي على الماء، لا تَثِقْ به ولا تعبَأْ به ولا تكلِّمْه، قال: قصَّر واللهِ. يريد أنَّ حاله أقبحُ من ذلك.
وقال أبو العالية٢: تعلَّموا الإسلام والسنةَ، فإذا تعلّمتموه فلا
(٢) أخرجه الآجري في "الشريعة" (١/ ٣٠٠) واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (١/ ٥٦) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢١٨) وغيرهم.
ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام١، فلا ترغبوا عنه٢ يمينًا وشمالًا، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تُلقِي بين الناس العداوةَ والبغضاء. قال عاصم: فحدثتُ به الحسن، فقال: صدق ونصح، قال: فحدثتُ به٣ حفصة بنت سيرين فقالت: يا أبا علي! أنتَ حدَّثتَ محمدًا بهذا؟ قلت: لا، قالت: فحدِّثْه إذًا.
وقال أُبيُّ بن كعب٤﵁: عليكم بالسبيل والسنة، فإنَّه ما على الأرض عبدٌ على السبيل والسنة ذكرَ الله ففاضتْ عيناه من خشية الله٥، فيعذِّبه، وما على الأرض عبدٌ على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعرَّ جلدُه من خشية الله إلا كانَ مثلُه كمثلِ شجرة قد يَبِسَ ورقُها، فهي كذلك إذ أصابتْها ريحٌ شديدة فتَحاتَّ عنها وَرقُها، إلا حُطَّ عنه خطاياه، كما تَحاتَّ عن تلك الشجرة ورقُها، وإنَّ اقتصادًا في سبيلٍ وسنة خيرٌ من اجتهادٍ في خلاف سبيل وسنة، فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادًا أو اقتصادًا، أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء
(١) "فإنه الإسلام" ليست في الأصل.
(٢) "عنه" ليست في ع.
(٣) "به" ليست في ع.
(٤) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٢١ - ٢٢) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (١/ ٥٤) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).