وقال عبد الله بن مسعود٢: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.
وقيل لأبي بكر بن عياش٣: يا أبا بكر! من السُّنِّيّ؟ قال: الذي إذا ذُكِرت الأهواء لم يغضب لشيء منها.
وهذا أصل عظيم من أصول سبيل الله، والطريق الموصل إليه، [٧٩ ب] يجب الاعتناء به، فإنَّ كثيرًا من الأفعال قد يكون مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا، إما بالاتفاق، أو فيه نزاع بين العلماء، فيستحسنه طائفة من الناس ويفعلونه على أنَّه قربة وطاعة ودين يتقربون به إلى الله، حتى يعدُّون من يفعل ذلك أفضل ممن لا يفعله، وربما جعلوا ذلك من لوازم طريقهم٤ إلى الله، أو جعلوه٥ شعارَ الصالحين وأولياء الله، ويكون ذلك خطأ وضلالًا ودينًا مبتدعًا لم يأذن به الله.
(١) ع: "وسننهم".
(٢) أخرجه الدارمي في "سننه" (٢٢٣) وابن نصر المروزي في "السنة" (ص ٢٥) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (١/ ٥٥) والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٠٣).
(٣) أخرجه الآجري في "الشريعة" (٢٠٥٨). وفيها: "لم يتعصَّب". وهو أولى بالصواب.
(٤) ع: "طريقتهم".
(٥) في الأصل: "جعلوا".
مثال ذلك: حلق الرأس في غير الحج والعمرة من غير عذر، اختلف الناس في إباحته وكراهته على قولين، وهما روايتان عن أحمد، ولا خلاف بينهم أنه لا يُشرَع ولا يُستحَبّ، ولا هو قربة إلى الله، ومع هذا فقد اتخذه طوائف من النسَّاك والفقراء١ دينًا، حتى جعلوه شعارًا وعلامة على الدين والنسك والخير، وجعلوه من تمام التوبة، حتى إنَّ من لم يفعل ذلك يكون منقوصًا خارجًا عن الطريق المفضلة المحمودة عندهم، ومن فعل ذلك دخل في هَدْيهم وطريقهم٢. وهذا خروجٌ عن طريق الله وسبيله باتفاق المسلمين، واتخاذ ذلك دينًا وشعارًا لأهل الدين من أسباب تبديل الدين، فكما أنَّه لا حرامَ إلا ما حرَّمه الله، ولا واجبَ٣ إلا ما أوجبه، فلا دينَ إلَّا٤ ما شرعه، ولا مستحبَّ إلا ما أحبه.
فصل
الوجه الثاني: أنَّ قولهم: إنَّ هذا٥ السماع يحصِّل محبوبَ الله، وما حصَّلَ محبوبَ الله فهو محبوب له= قول باطل، وهو منشأ الضلال في هذه المسألة، وأكثر المنحرفين في هذه المسألة حصل لهم الضلال