والغيُّ [٨٠ أ] من هذه الجهة١، فظنوا أنَّ السماع يُثير محبة الله، ومحبة الله هي أصل الإيمان الذي هو عمل القلب، وبكمالها يكون كمال الإيمان. وأبو طالب المكي جعلها نهاية المقامات٢، وأبو إسماعيل الأنصاري يقول٣: هي المقام الذي تلتقي فيه مقدمة العامة وساقة الخاصة. وهؤلاء جعلوا السماع من توابع المحبة ووسائلها.
ومنشأ الغلط أن ما يُثيره هذا السماع المبتدع ونحوه من الحب وحركة القلب ليس هو الذي يحبه الله ورسوله، بل اشتماله على ما لا يحبه الله بل على ما يُبغضه أكثرُ من اشتماله على ما يحبه الله٤، وصَدُّه عما يحبه الله ويرضاه أعظمُ من تحريكه لمحابِّه ومراضيه، ونهيُه عما يُقرِّب منه أكثرُ من أمره به. ولا ريبَ أنَّه يُثير حبًّا وحركةً، لكن منشأ الغلط ظنُّ أنَّ ذلك مما يحبه الله، وإنما ذلك من اتباع الظن ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾[النجم: ٢٣].
فصل
ومما يوضح ذلك ويبينه: أنَّ الله سبحانه بيَّن في كتابه محبتَه، وذكر مُوجباتِها وعلاماتها، وهذا السماع يوجد مضادًّا لذلك منافيًا له، قال
فهذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله تضمنتها هذه الآيات الثلاث١:
فالآية الأولى [٨٠ ب] تضمنت متابعةَ الحبيب في أقواله وأفعاله وهَدْيه وسيرته.
والآية الثانية تضمنت إفرادَ الرب تعالى بالمحبة وإخلاص الدين له، وأنْ لا يُحَبَّ معه سواه، وكل محبوب فإنما تَسُوغ محبته تبعًا لمحبة الله، فيحبه لله وفي الله، لا مع الله، فمحبة المشركين مع الله، ومحبة المخلصين لله وفي الله.
والآية الثالثة تضمنت الجهادَ في سبيل الله لإعلاء كلماته وإعزاز دينه، وترك الالتفات إلى اللُّوَّام.
فهذه الأصول الثلاثة هي الفرقان بين الناس، وبها يُوزَن أهل الانحراف وأهل الصراط المستقيم، فمَن أحبّ شيئًا غير الله كما يحب الله فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحب الله.