والسادسة: احتمالهم لومَ١ الخلق لهم على ذلك، وأنهم ليسوا ممن يصدُّه الكلامُ والعَذْلُ عن الجهاد في سبيل الله، وأنهم ليسوا بمنزلة مَن يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله، ولا بمنزلة مَن أظهر من٢ مكروهات الرب ﵎ ما يُلامون عليه، ويُسمّون بالملامتية٣ إظهارًا منهم لما يُلامون عليه في الظاهر، وهم مُنطَوون في الباطن على الصدق والإخلاص، سترًا لحالهم عن الناس، فهم فعلوا ذلك لعدم احتمالهم الملامَ، والأولون احتملوا الملام فيما لا يحبه الله، وأحبَّاء الله فعلوا ما أحبَّه٤ الله، ولم تأخذهم فيه لومة لائم.
فالأقسام ثلاثة:
(١) ع: "لومة".
(٢) "من" ليست في ع.
(٣) ع: "الملاماتية".
(٤) ع: "يحبه".
أحدها: مَن يصدُّه اللوم عن مَحابِّ الله.
والثاني: مَن١ لا تأخذه في محبة٢ الله لومة لائم.
والثالث: من يُظهِر ما يُلام عليه إخفاءً لقيامه بمحابِّ الله.
فالأول مفرِّط، والثالث مؤمن ضعيف، والوسط هو الوسط الخيار، وهو المؤمن القوي، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف٣. وأعلى ما يحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله٤، واللائمون عليه كثير، إذ أكثرُ النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام: منافق، ومخذِّل مفتِّر للهمة، ومُرجِف مُضعِف للقوة والقدرة.
فصل
وأمَّا متابعة الحبيب٥ في أقواله وأفعاله، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران: ٣١]. قالت [٨١ ب] طائفة٦ من السلف: ادعى قوم على عهد النبيّ ﷺ أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية٧ وهي آية
(١) في الأصل: "ما".
(٢) ع: "محاب".
(٣) الحديث بهذا اللفظ أخرجه مسلم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة.
(٤) ع: "سبيله".
(٥) هذا هو الأصل الثالث.
(٦) ع: "قال جماعة".
(٧) انظر "تفسير ابن كثير" (٢/ ٦٩٩) و"الدر المنثور" (٣/ ٥٠٨ - ٥٠٩).