والثالث: من يُظهِر ما يُلام عليه إخفاءً لقيامه بمحابِّ الله.
فالأول مفرِّط، والثالث مؤمن ضعيف، والوسط هو الوسط الخيار، وهو المؤمن القوي، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف٣. وأعلى ما يحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله٤، واللائمون عليه كثير، إذ أكثرُ النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام: منافق، ومخذِّل مفتِّر للهمة، ومُرجِف مُضعِف للقوة والقدرة.
فصل
وأمَّا متابعة الحبيب٥ في أقواله وأفعاله، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران: ٣١]. قالت [٨١ ب] طائفة٦ من السلف: ادعى قوم على عهد النبيّ ﷺ أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية٧ وهي آية
(١) في الأصل: "ما".
(٢) ع: "محاب".
(٣) الحديث بهذا اللفظ أخرجه مسلم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة.
(٤) ع: "سبيله".
(٥) هذا هو الأصل الثالث.
(٦) ع: "قال جماعة".
(٧) انظر "تفسير ابن كثير" (٢/ ٦٩٩) و"الدر المنثور" (٣/ ٥٠٨ - ٥٠٩).
فإذا عرفتَ هذه الأصول فعامة السماعاتية مقصِّرون فيها، وهم في ذلك التقصير بحسب كثرة تعوُّضهم بالسماع عن القرآن وقلَّته، حتى آل أمره ببعضهم إلى الانسلاخ من الإسلام بالكلية.
وأمّا مَن فيه منهم محبة الله ورسوله فهم مقصِّرون في الأصول الثلاثة: وهي الجهاد في سبيل الله، ومتابعة رسوله، وإخلاص الدين له، ففيهم من الشرك الخفي والجلي ما ينافي كمال الإخلاص، وفيهم من البدعة ما ينافي كمال المتابعة، وفيهم من الرهبانية ما ينافي كمال الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كثير منهم يَعُدُّ ذلك نقصًا في الطريق، وهم أبعد الناس عن الجهاد، حتى يوجد في كثير من العامة مَن هو أكثر جهادًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر منهم١، ومَن هو أشدُّ غضبًا وغيرةً لمحارم الله وموالاةً لأوليائه ومعاداةً لأعدائه منهم.
وأمَّا الإخلاص، فهذا السماع وتوابعه يقدح في كماله، فإنه في الأصل سماع المشركين أهل المكاء والتصدية، ويتبع ذلك من