ومؤلفات أصحابه في تحريمه شاهدة١ بذلك٢. والشافعي لم يختلف قوله في كراهته، وقال في كتابه المعروف "بأدب القضاء": الغناء لهو مكروه شبيه بالباطل، ومَن استكثر منه فهو سفيهٌ تُرَدَّ شهادتُه. وقد قال عن سماع التغبير الذي هو أحسن سماعات هؤلاء: إنه مما أحدثته الزنادقة يَصُدُّون به الناس عن القرآن. وأمّا فقهاء الكوفة فمن أشدّ الناس تحريمًا للغناء، ولم٣ يتنازعوا في ذلك، ولم يخالفهم إلا العنبري٤.
فصل
*قال صاحب الغناء: وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة "السماع"٥ حكاية عن مالك أنه ضربَ بطَبْلٍ، وأنشد أبياتًا، ومالك مالك!
*قال صاحب القرآن: قد أعاذ الله مالكًا وأصحابه من هذا البهتان والفرية، ومالك أجلُّ عند الله وعند أهل الإسلام من ذلك، والكذبُ الفاحش على الأئمة المشهورين صنعة جهلة٦ الكذابين، فلو أن واضع
(١) ع: "شاهدات".
(٢) انظر لمعرفة هذه المؤلفات والنصوص "حكم الغناء في مذهب المالكية" لمصطفى باحو.
(٣) في الأصل: "ولما".
(٤) هذه النصوص والأقوال سبق تخريجها في أول الكتاب.
(٥) انظر كتاب "السماع" له (ص ٦٦).
(٦) ع: "صفة الجهلة".
هذه الحكاية نسبها إلى مَن ليس في الشهرة والإمامة والجلالة كمالكٍ لأمكن أن يخفى ويَرُوجَ على الجهال، وأمّا على إمام دار الهجرة فسبحانك هذا بهتان عظيم.
فصل
*قال صاحب الغناء١: وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، رُوي عن ابن جريج أنه كان يُرخِّص في السماع، فقيل له: إذا أُتي بك يومَ القيامة ويُؤتَى بحسناتك وسيّئاتك، ففي أي الجانبين يكون السماع؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات. يعني أنه من المباحات٢.
*قال صاحب القرآن: ليس ابن جريج [٨٥ أ] وأهل مكة ممن٣ يعرف عنهم الغناء، بل المشهور عنهم خلاف ذلك. ثم هذه٤ الحكاية وأمثالها هي إلى أن تكون حجةً عليكم أقربُ من كونها حجةً لكم، فإنه قال: يكون السماع لا في الحسنات ولا في السيئات، فجعله بمنزلة اللعب واللهو الباطل، الذي أحسنُ أحوالِه أن لا يكون للعبد ولا عليه، ومع هذا فلا بدَّ أن يَنقُصَ من حسناته. ولم يجعلْه ابن جريج ولا أحدٌ قبلَ هذه الطائفة دينًا وقربةً وصلاحًا للقلوب، ويُفضِّلْه على سماع القرآن من
(١) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٥).
(٢) ع: "المباح".
(٣) في النسختين: "ليس عن ابن جريج وأهل مكة مَن ... ". والصواب ما أثبته، كما في "الاستقامة" (١/ ٢٧٥).