هذه الحكاية نسبها إلى مَن ليس في الشهرة والإمامة والجلالة كمالكٍ لأمكن أن يخفى ويَرُوجَ على الجهال، وأمّا على إمام دار الهجرة فسبحانك هذا بهتان عظيم.
فصل
*قال صاحب الغناء١: وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك، رُوي عن ابن جريج أنه كان يُرخِّص في السماع، فقيل له: إذا أُتي بك يومَ القيامة ويُؤتَى بحسناتك وسيّئاتك، ففي أي الجانبين يكون السماع؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات. يعني أنه من المباحات٢.
*قال صاحب القرآن: ليس ابن جريج [٨٥ أ] وأهل مكة ممن٣ يعرف عنهم الغناء، بل المشهور عنهم خلاف ذلك. ثم هذه٤ الحكاية وأمثالها هي إلى أن تكون حجةً عليكم أقربُ من كونها حجةً لكم، فإنه قال: يكون السماع لا في الحسنات ولا في السيئات، فجعله بمنزلة اللعب واللهو الباطل، الذي أحسنُ أحوالِه أن لا يكون للعبد ولا عليه، ومع هذا فلا بدَّ أن يَنقُصَ من حسناته. ولم يجعلْه ابن جريج ولا أحدٌ قبلَ هذه الطائفة دينًا وقربةً وصلاحًا للقلوب، ويُفضِّلْه على سماع القرآن من
(١) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٥).
(٢) ع: "المباح".
(٣) في النسختين: "ليس عن ابن جريج وأهل مكة مَن ... ". والصواب ما أثبته، كما في "الاستقامة" (١/ ٢٧٥).
(٤) ع: "إن هذه".
وجوه متعددة، بل غاية ما يُحكَى عمن يُرخِّص فيه أنه جعله بمنزلة الغناء والضرب بالدف للنساء في العرس وأيام الأعياد وعند قدوم الغائب، وهو١ مع ذلك باطل، كما في الحديث الذي في السنن: أن امرأة نذرَتْ أن تَضِربَ لقدوم رسول الله ﷺ بالدفّ ففعلتْ، فلما جاء عمر أمرها رسول الله ﷺ بالسكوت، وقال: "إن هذا رجل لا يحب الباطل"٢. وسمى الصديق غناء الجويريتين يومَ العيد مزمور الشيطان، وأقرَّه رسول الله ﷺ على هذه التسمية، وأقرَّ الجويريتين٣ لمكان صغرهما وكونه يوم عيد٤،
وخلوّ ما تُغنِّيان به من آلاتِ المعازف وغناءِ الألحان والطرابات٥، ولم يقل: هو قربة وطاعة ودين٦ ومصلح٧ للقلوب،
(١) "هو" ليست في ع.
(٢) جمع المؤلف هنا بين حديثين، أخرج الأول منهما أحمد (٥/ ٣٥٣) والترمذي (٣٦٩٠) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٧٧) عن بريدة، وإسناده قوي. وقوله: "إن هذا رجل لا يحب الباطل" في حديث آخر بسياق مختلف، أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٥) والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٤٢) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٤٦) عن الأسود بن سريع. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وعبد الرحمن بن أبي بكرة لا يصح سماعه من الأسود.
(٣) "يوم العيد ... الجويريتين" ساقطة من الأصل بسبب انتقال النظر.
(٤) ع: "العيد" ..
(٥) سبق تخريجه. و"الطرابات" لا وجود لها في المعاجم.