بل قد ثبت عنه في الصحيح١ أنه قال: "كلُّ لهوٍ يلهو به الرجل٢ فهو باطل إلا رميَهُ بقوسه وتأديبَه فرسَه وملاعبتَه امرأته، فإنهن من الحق".
ومعلوم أن الباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يُرخَّص في بعضه أحيانًا للنفوس التي لا تصبر على الحق المحض، ويُرخَّص منه في القدر الذي يحتاج إليه، في الأوقات التي تتقاضى ذلك، كالأعياد والأعراس وقدوم الغائب، وتلك نفوس الصبيان والنساء والجواري [٨٥ ب] الصغار، وهن اللاتي غنَّين في بيت عائشة، وضربن بالدف خلفَ رسول الله ﷺ، وعند تلقِّيه فرحًا وسرورًا به.
فهذا كان فرح هؤلاء الضعفاء العقول الذين لا تحتمل٣ عقولهم الصبرَ تحت محض الحق، فكان في إقرارهم بالترخيص٤ لهم في هذا القدر مصلحةٌ لهم، وذريعةٌ إلى انبساط نفوسهم وفرحهم بالحق، فهو من نوع الترخيص في اللُّعَبِ للبنات، وما شاكل ذلك، وهذا من كمال
(١) لم أجده في الصحيحين. وأخرجه أحمد (٤/ ١٤٤، ١٤٨) والترمذي (١٦٣٧) وابن ماجه (٢٨١١) من طريق أبي سلام عن عبد الله بن الازرق عن عقبة بن عامر. وأخرجه أحمد (٤/ ١٤٦، ١٤٨) وأبو داود (٢٥١٣) والنسائي (٦/ ٢٨، ٢٢٢) من طريق خالد بن زيد الجهني عن عقبة. وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) ع: "رجل".
(٣) ع: "الذي لا تحمل".
(٤) ع: "والترخيص".
شريعته ومعرفته بالنفوس وما تصلح عليه، وسوقها إلى١ دينه بكل طريق وفي كل وادٍ. ومن المعلوم أن النفوس الصغار والعقول الضعيفة إذا حُمِلت على محض الحق، وحُمِلَ عليها ثِقلُه، تفسَّخَتْ تحته واستعصَتْ ولم تَنقَدْ، فإذا أُعطِيَتْ شيئًا من الباطل ليكون لها عونًا على الحق ومنفذًا له، كان أسرعَ لقبولها وطاعتها وانقيادها.
فما لمشايخ الطريق والسالكين إلى الله، والآخذين أنفسهم بالجِدِّ المحض، والمعرضين٢ عن حظوظهم، الذين لم يعبدوا الله شوقًا إلى جنته ولا خوفًا من ناره، إذْ ذلك عينُ حظهم وهو نقصٌ في طريقتهم، وهذا الباطل واللهو الذي هو حظ الأطفال والنساء والجواري؟! ولا ريبَ أن الرجال لم يكن ذلك فيهم، بل كان السلف يسمون الرجل المغنّي مخنَّثًا لتشبهه بالنساء، وقد رُوي: "اقرأوا القرآنَ بلحون العرب، وإياكم ولُحونَ العجم والمخانيثِ والنساءِ"٣.
وسئل القاسم بن محمد٤ عن الغناء، فقال للسائل: أرأيت إذا ميز الله يوم القيامة بين الحق والباطل ففي أيهما [٨٦ أ] يجعل الغناء؟ فقال:
(١) ع: "إلى الله تعالى وإلى دينه".
(٢) ع: "والمعوضين" تحريف.
(٣) أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ٨٠) والطبراني في "الأوسط" (٧٢١٩) البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٦٤٩) عن حذيفة، وهو حديث ضعيف.
(٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٢٤)، وأورده ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص ٢٣٥).