مسألة السماع

في الباطل، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال. فكان العلم بأنه من الباطل مستقرًّا في نفوسهم كلهم وإن فعله بعضهم.

فصل

* قال صاحب الغناء١: فهذا الشافعي لا يُحرِّمه، ويجعله من العوامِّ مكروهًا، حتى لو احترف بالغناء أو اتصف به على الدوام وبسماعه على وجه التلهي٢ تُردُّ به الشهادة٣، ويجعله مما يُسقِط المروءة ولا يُلحِقه بالمحرمات، وليس الكلام في هذا النوع من السماع، فإن هذه الطائفة جلَّت رتبتهم عن أن يسمعوا بلهوٍ، أو يقعدوا للسماع بسهوٍ، أو يكونوا بقلوبهم متفكرين في مضمون لغوٍ٤.

* قال صاحب القرآن: لم يختلف قول الشافعي في كراهته والنهي عنه للعوام والخواصّ، ولكن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه أو يُفصَّل٥ بين بعض وبعض؟ هذا مما تنازع فيه أصحابه، وهذا قوله في سماع العامة. وأمَّا سماع الخاصة الذين تشيرون إليه فهو عند الشافعي من فعل الزنادقة، كما تقدم حكاية كلامه. فعند الشافعي أن هذا السماع الذي للخاصة أعظم من أن يقال فيه: إنه مكروه أو محرم، بل هو عنده مضادٌّ

  1. (١) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٥).
  2. (٢) في الأصل: "الوجه التلهي".
  3. (٣) ع: "ترد شهادته".
  4. (٤) ع: "لغوه".
  5. (٥) ع: "تفصيل".
225

للإيمان، وشرعُ دينٍ لم يأذن به الله ولم يُنزل به من سلطان، وإن كان من المشايخ والصالحين من تأول في فعله١، وبتأويله واجتهاده يغفر الله له خطأه، ويُثِيبه على ما مع التأويل من قصد خالص٢ وإن لم يكن العمل صوابًا. والتأويل والاجتهاد من باب المعارض في حق بعض الناس، يُدفَع به عنه العقوبة كما يُدفَع بالتوبة والحسنات الماحية، وهذا إنما هو لمن استفرغ وُسعَه في طلب الحق [٨٦ ب] واتقى الله٣ ما استطاع.

وقول الشافعي ﵁ في هؤلاء نظير قوله في أهل الكلام: "حكمي في أهل الكلام٤ أن يُضرَبوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام"٥. وقوله: "لأن يبتلى العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يُبتلى بالكلام في هذه الأهواء"٦.

فهذا مذهبه في المتكلمين، وتلك شهادته في أهل السماع، وهذا من كمال نصيحته ﵁، لما علم من دخول الفساد على الأمة من هاتين

  1. (١) هنا بياض في ع.
  2. (٢) ع: "صالح".
  3. (٣) "واتقى الله" ليست في الأصل.
  4. (٤) "في أهل الكلام" ليست في ع.
  5. (٥) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١١٦) والبيهقي في "مناقب الشافعي" (١/ ٤٦٢).
  6. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي" (ص ١٨٢، ١٨٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١١١) والبيهقي في "مناقب الشافعي" (١/ ٤٥٢، ٤٥٤)
226

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي