الأمة كابن مسعود وابن عباس وجابر١ وابن عمر. ومن احتج بفعل عبد الله بن جعفر٢ فليحتجَّ بفعل معاوية في قتاله لعلي، وبفعل عبد الله بن الزبير في قتاله في الفرقة، وبفعل٣ مروان بن الحكم في خطبته يوم العيد قبل الصلاة٤، وأمثال ذلك مما لا يصلح لأهل العلم والدين أن يُدْخِلوه في أدلة الشرع، لا سيما النسّاك والزهاد وأهل الحقائق، فإنهم لا يَصلُح لهم أن يتركوا سبيلَ مثل أبي ذر وأبي أيوب الأنصاري وعمار بن ياسر [٨٧ ب] وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح، والمشهورين بالنسك والعبادة، ويتبعون سبيلَ من اتخذ جاريةً تُغنِّيه في بيته للهو٥ واللذة، ويجعلونه حجةً لهم فيما بينهم وبين الله في الرقص وسماع الأغاني المطربة من الشاهد المليح، بمساعدة الدفوف والشبابات والمواصيل. هذا مع أن الذي فعله عبد الله بن جعفر كان في داره، لم يكن يجمع الناس على ذلك ولا يدعو إليه، ولا يعدُّه دينًا وقربة٦ يُقرِّبه إلى الله، بل هو من الباطل واللهو.
(١) "وجابر" ليست في ع.
(٢) ع: "عمر" تحريف.
(٣) ع: "بمثل".
(٤) كما في "صحيح مسلم " (٨٨٩).
(٥) ع: "اللهو".
(٦) ع: "ولا قربة".
فصل
* قال صاحب الغناء١: ثبت٢ عن النبي ﷺ أنه سمع الحُدَاء وحَدا الحُداةُ بين يديه، وكذلك عمر بن الخطاب٣ بعده رخَّص في الحُداء، والغناء والحداء كلٌّ منهما إنشادٌ بأصواتٍ مطربةٍ، وهما كما قال الشاعر:
فإن لا يَكُنْها أو تَكُنْه فإنهأخوها غَذَتْه أمُّه بلِبَانِها٤
* قال صاحب القرآن: قد اتفق الناس على جواز الحُداء، وثبت أن عامر بن الأكوع كان يحدو بالصحابة مع النبي ﷺ، ففي الصحيحين٥ عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فسِرْنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تُسمِعنا من هُنيَّاتِك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول:
اللهمَّ لولا أنتَ٦ ما اهتدَيناولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا
فأنزلَنْ سكينةً عليناوثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا
(١) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٥).
(٢) ع: "فقد ثبت".
(٣) في الأصل: "خطاب".
(٤) البيت لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" (ص ١٦٢) و"إصلاح المنطق" (ص ٢٩٧) و"أدب الكاتب" (ص ٤٠٧) و"لسان العرب" (كون، لبن).