* قال صاحب الغناء١: ثبت٢ عن النبي ﷺ أنه سمع الحُدَاء وحَدا الحُداةُ بين يديه، وكذلك عمر بن الخطاب٣ بعده رخَّص في الحُداء، والغناء والحداء كلٌّ منهما إنشادٌ بأصواتٍ مطربةٍ، وهما كما قال الشاعر:
فإن لا يَكُنْها أو تَكُنْه فإنهأخوها غَذَتْه أمُّه بلِبَانِها٤
* قال صاحب القرآن: قد اتفق الناس على جواز الحُداء، وثبت أن عامر بن الأكوع كان يحدو بالصحابة مع النبي ﷺ، ففي الصحيحين٥ عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فسِرْنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تُسمِعنا من هُنيَّاتِك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم، يقول:
اللهمَّ لولا أنتَ٦ ما اهتدَيناولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا
فأنزلَنْ سكينةً عليناوثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا
(١) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٥).
(٢) ع: "فقد ثبت".
(٣) في الأصل: "خطاب".
(٤) البيت لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" (ص ١٦٢) و"إصلاح المنطق" (ص ٢٩٧) و"أدب الكاتب" (ص ٤٠٧) و"لسان العرب" (كون، لبن).
(٥) البخاري (٦١٤٨) ومسلم (١٨٠٢).
(٦) ع: "أنت الله".
إنّا إذا صِيْحَ بنا أَتَيناوبالصِّياح عوَّلوا عَلينا
[٨٨ أ] فقال رسول الله ﷺ: "مَن هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع، قال: "يرحمه الله"، قال رجل من القوم: وجبَتْ يا نبي الله، لولا أمتعتَنا به، وذكر الحديث١. وذلك في غزوة خيبر.
وفي الصحيح٢ حديث أنجَشة الحبشي الذي كان يحدو بالنبي ﷺ، حتى قال النبي ﷺ: "رُويدَك يا أنجشةُ، سَوقَك بالقوارير" يعني النساء٣، أمره بالرفق بهن لئلا تُزعِجَهن الإبل في المسير٤ إذا اشتدَّ سيرها، ولئلا ينزعجن٥ بصوت الحادي، والحديث متفق عليه. فمن الذي حرَّم الحداء؟ حتى يحتجُّون عليه بفعله بين يدي النبي ﷺ.
وأما قولكم: "إن الغناء إن لم يكنْه فهما رضيعَا لِبانٍ، وهما في٦ بابهما أخوانِ" فمن أبطل الباطل، وهو من جنس استدلالكم على حل الغناء والسماع بسماع النبي ﷺ الشعرَ٧ واستنشاده له، وهل هذا إلا