من أفسدِ القياس وأبطله؟ وإذا كان الأمر كما تقولون فلِمَ سمع١ رسول الله ﷺ وأصحابه الحُداءَ والشعر؟ ولم يُنقل والعياذ بالله عن أحد منهم قطُّ استماعُ الغناء وحضوره وإقامته، فضلًا عن اتخاذه طاعة وقربة ودينًا! فقياس الغناء على الحداء من جنس قياس الربا على البيع، وقياس نكاح التحليل على نكاح الرغبة، ونكاح المتعة على النكاح المؤبد، وأمثال ذلك من الأقيسة التي تتضمن الجمع بين ما٢ فرَّق الله ورسوله بينهما.
فصل
* قال صاحب الغناء٣: يكفينا في هذا الباب ما قد اشتهر، وعلمه الخاص والعام من حديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة، بما تقاولت [٨٨ ب] به٤ الأنصار يوم بُعَاث، فأنكر عليهما أبو بكر، وقال: أبمزمور٥ الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ فقال رسول الله ﷺ: "دَعْهما يا أبا بكر! فإن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا"٦.
(١) ع: "يسمع".
(٢) ع: "بينهما" خطأ.
(٣) انظر "الرسالة القشيرية" (ص ٥٠٥).
(٤) "به" ليست في ع.
(٥) ع: "أمزمور".
(٦) سبق تخريجه.
* قال صاحب القرآن: هذا الحديث من أكبر الحجج عليك١، فإن الصديق سمّى الغناء مزمور الشيطان، ولم ينكر عليه النبي ﷺ هذه التسمية، وأقرَّ الجويريتين على فعله، إذ هما جويريتان صغيرتان٢ دون البلوغ غير مكلَّفتين، قد أظهرتا الفرح والسرور يوم العيد بنوعٍ ما من أنواع غناء العرب، ولا سيما الصغار٣ منهن في بيت جاريةٍ حديثة السن، بشعرٍ من شعر العرب في الشجاعة ومكارم الأخلاق ومدحها، وذم الجبن ومساوئ الأخلاق، ومع هذا فقد سماه صديق الأمة "مزمور الشيطان". فيالله العجب! كيف صار هذا المزمور الشيطاني٤ قربةً وطاعةً تقرِّب إلى الله، وتُنال بها كرامتُه؟ وأصحابه جلّت رتبتهم أن يسمعوه بنفوسهم، أو لأجل حظوظهم، هذا وكم بين المزمورين؟ فبينهما أبعد ما٥ بين المشرقين.
ثم نحن نرخِّص في كثير من أنواع الغناء، مثل هذا، ومثل الغناء في النكاح للنساء والصبيان، إذا خلا من الآلات المحرمة، كما نرخص لهم في كثير من اللهو واللعب، وهذا نوع٦ من أنواع اللعب المباح لبعض