وقد صح عنه ﷺ أنَّه قال: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن"٢.
وقد قال الإمام أحمد في تفسيره: "يحسِّنه بصوته ما استطاع"، وقال الشافعي: "نحن أعلم بهذا [٩٠ ب] من سفيان"، ينكر عليه قوله: يستغني به، وإنما هو تحسين الصوت بالقرآن٣.
وقال ﷺ: "لله أشدُّ أذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحبِ القَينةِ إلى قَينتهِ"٤. فإذا ندب إلى تحسين الصوت بالقرآن والتغني به، جاز أن يُحسَّن الصوتُ بالشعر ويُتغنى به، وأيُّ حرج في تحسين الصوت بالشعر؟
*قال صاحب القرآن: هذه الأدلة إنما تدل على فضل الصوت الحسن بكتاب الله، لا على فضل الصوت٥ الحسن بالغناء الذي هو
(١) أخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (٢٣٣٠)، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك. وله طريق آخر أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٧/ ٢٦٨). وفي إسناده مجهول.
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٢٧) عن أبي هريرة.
(٣) "بالقرآن" ليست في الأصل. وانظر أقوال العلماء في معنى قوله: "يتغنى" في "غريب الحديث" لأبي عبيد (٢/ ١٦٩ - ١٧٢) و"مشكل الآثار" (٣/ ٣٥٣) و"شرح السنة" (٤/ ٤٨٥، ٤٨٦) و"فتح الباري" (٩/ ٦٩ - ٧٢).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) "الصوت" ليست في ع.
مزمور الشيطان، ومن قاس هذا بهذا وشبَّه أحدهما بالآخر فقد شبَّه الباطل بالحق، وقاس قرآن الشيطان على كتاب الرحمن. وهل هذا إلا نظير قول من يقول: إذا أمر الله بالقتال في سبيله بالسيف والرمح والنُّشَّاب دلَّ ذلك على فضيلة الطعن والضرب والرمي! ثمّ يحتج بذلك على جواز الضرب والطعن والرمي في غير سبيل الله، بل على استحبابه. ونظير من قال: إذا أمر الله بإنفاق المال في سبيله، دل على فضيلة المال! ثمّ يحتج بذلك على جواز إنفاق المال واستحبابه في غير سبيله. ونظيره قول من يقول: إذا أمر الله بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء، ثمّ يحتج بذلك على جواز ما لم يأمر به من ذلك! وكذلك كل ما يُعِين على طاعة الله ومحابّه ومراضيه من تفكُّرٍ أو صوت أو حركة أو قوة أو مال أو أعوان هو محمود في إعانته على طاعة ومحابّه ومراضيه١. ولا يدلُّ ذلك على أنَّه في نفسه محمود على الإطلاق، حتى يحتج على أنَّه محمود حال كونه معينًا على غير طاعة الله من البدع [٩١ أ] والفجور والمعاصي.
إذا ثبت هذا فتحسين الصوت نُدِب إليه، وحُمِد الصوت الحسن لما تضمنه من الإعانة على ما يحبه الله من سماع القرآن، ويحصُل به من تنفيذ معانيه إلى القلوب ما يزيدها إيمانًا، ويُقرّبها إلى ربها، ويُدنِيها من محابّه. فالصوت الحسن بالقرآن٢ مُنَفّذ لحقائق الإيمان، مُعِين على إيصالها إلى القلوب، فكيف يُجعَل نظيرَ الصوت الحسن بالغناء الذي