مسألة السماع

مزمور الشيطان، ومن قاس هذا بهذا وشبَّه أحدهما بالآخر فقد شبَّه الباطل بالحق، وقاس قرآن الشيطان على كتاب الرحمن. وهل هذا إلا نظير قول من يقول: إذا أمر الله بالقتال في سبيله بالسيف والرمح والنُّشَّاب دلَّ ذلك على فضيلة الطعن والضرب والرمي! ثمّ يحتج بذلك على جواز الضرب والطعن والرمي في غير سبيل الله، بل على استحبابه. ونظير من قال: إذا أمر الله بإنفاق المال في سبيله، دل على فضيلة المال! ثمّ يحتج بذلك على جواز إنفاق المال واستحبابه في غير سبيله. ونظيره قول من يقول: إذا أمر الله بالاستعفاف بالنكاح دل على فضيلة النساء، ثمّ يحتج بذلك على جواز ما لم يأمر به من ذلك! وكذلك كل ما يُعِين على طاعة الله ومحابّه ومراضيه من تفكُّرٍ أو صوت أو حركة أو قوة أو مال أو أعوان هو محمود في إعانته على طاعة ومحابّه ومراضيه١. ولا يدلُّ ذلك على أنَّه في نفسه محمود على الإطلاق، حتى يحتج على أنَّه محمود حال كونه معينًا على غير طاعة الله من البدع [٩١ أ] والفجور والمعاصي.

إذا ثبت هذا فتحسين الصوت نُدِب إليه، وحُمِد الصوت الحسن لما تضمنه من الإعانة على ما يحبه الله من سماع القرآن، ويحصُل به من تنفيذ معانيه إلى القلوب ما يزيدها إيمانًا، ويُقرّبها إلى ربها، ويُدنِيها من محابّه. فالصوت الحسن بالقرآن٢ مُنَفّذ لحقائق الإيمان، مُعِين على إيصالها إلى القلوب، فكيف يُجعَل نظيرَ الصوت الحسن بالغناء الذي

  1. (١) "من تفكر ... ومراضيه" ليست في الأصل.
  2. (٢) "بالقرآن" ليست في ع.
239

يُنبِت النفاقَ في القلب؟ وأخفُّ أنواعه وأقلُّها شرًّا ما١ وضعته الزنادقة يَصدُّون به الناس عن القرآن. فالصوت الحسن من٢ هذا يُنفِّذ حقائقَ النفاق والفجور والفسوق إلى القلب، ولهذا يظهر في الأفعال وعلى اللسان. فالسماع الشيطاني الذي يتقرب به أهله إلى الله، يُنفِّذ الصوتُ الحسن فيه حقائقَ النفاق إلى القلب، والسماع الآخر الذي يعدُّه أهله لهوًا ولعبًا، يُنفِّذ ما يكرهه الله من شهوات الفسوق إلى القلب، فالاعتبار بحقائق المسموع، والصوت الحسن آلة ومنفِّذ.

فصل

وقوله ﷺ: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن" إما أن يريد به الحضّ٣ على أصل الفعل، وهو نفس التغني به، أو على صفته وهو أن يكون تَغنِّيه إذا تغنَّى به لا بغيره. وهذا نظير ما حُمِل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، هل هو أمرٌ بأصل الحكم أو بصفته إذا حَكَم؟ فيه قولان. ونظيرهُ أمره ﷺ بالدعاء في السجود، هل هو أمر بأصل الدعاء؟ أو المعنى: إذا دعوتم [٩١ ب] فاجعلوا دعاءكم في السجود، فإنَّه قَمَنٌ أن يُستجاب لكم٤.

  1. (١) "ما" ليست في ع.
  2. (٢) ع: "في".
  3. (٣) في النسختين: "الحظ" وهو خطأ.
  4. (٤) الحديث أخرجه مسلم (٤٧٩) عن ابن عباس.
240

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي