فنهى عن الصوت الذي يُفعَل عند النعمة كما نهى عن الصوت الذي يُفعل٢ عند المصيبة، والصوت الذي يُفعَل٣ عند النعمة هو صوت الغناء.
*قال صاحب الغناء: إنما نهى عن صوت المزمار، وهو الذي لعنه، لا عن صوت٤ الغناء.
*قال صاحب القرآن: المراد بصوت المزمار هنا هو٥ نفس الغناء، فإنَّ٦ نفس صوت الإنسان يسمى مزمارًا ومزمورًا، كما قال ﷺ لأبي موسى: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود"٧، فسمى صوته مزمارًا. وكما قال الصديق ﵁ لغناء [٩٢ أ] الجاريتين٨: "أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ "٩، ولم يكن معهما مزمور غير
(١) أخرجه الترمذي (١٠٠٥) عن جابر بن عبد الله. وقال: هذا حديث حسن.
وقولك: "إنَّ مفهوم الخطاب يقتضي إباحةَ غير هذا"، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ مثل هذا اللفظ لا مفهومَ له عند أكثر أهل العلم، فإنَّ التخصيص في مثل هذا بالعدد لا يقتضي اختصاص الحكم به، كقوله ﷺ: "ثلاث في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن"٢، لا يقتضي أنَّه ليس فيهم من أمر الجاهلية غير هذه الثلاث، ومن قال من الفقهاء بمفهوم العدد، فإنما يكون عنده حجة إذا لم يكن للتخصيص سبب آخر، وهنا التخصيص لكون هذين الصوتين كانا معتادين في زمنه وعلى٣ عهده ﷺ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾[الإسراء: ٣١] فإنَّ القتل٤ على هذه الصفة هو الذي كان معتادًا على عهده في العرب.
الثاني: أنَّ اللفظ الذي ذكره رسول الله ﷺ يدل على مورد النزاع، فإنَّه إذا نُهِي عن هذا الصوت عند النعمة التي يُعذَر الإنسان عندها، إذ
(١) في الأصل: "الحرب" تصحيف.
(٢) الحديث بلفظ "أربع في أمتي ... "، أخرجه مسلم (٩٣٤) عن أبي مالك الأشعري.