وقولك: "إنَّ مفهوم الخطاب يقتضي إباحةَ غير هذا"، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ مثل هذا اللفظ لا مفهومَ له عند أكثر أهل العلم، فإنَّ التخصيص في مثل هذا بالعدد لا يقتضي اختصاص الحكم به، كقوله ﷺ: "ثلاث في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن"٢، لا يقتضي أنَّه ليس فيهم من أمر الجاهلية غير هذه الثلاث، ومن قال من الفقهاء بمفهوم العدد، فإنما يكون عنده حجة إذا لم يكن للتخصيص سبب آخر، وهنا التخصيص لكون هذين الصوتين كانا معتادين في زمنه وعلى٣ عهده ﷺ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾[الإسراء: ٣١] فإنَّ القتل٤ على هذه الصفة هو الذي كان معتادًا على عهده في العرب.
الثاني: أنَّ اللفظ الذي ذكره رسول الله ﷺ يدل على مورد النزاع، فإنَّه إذا نُهِي عن هذا الصوت عند النعمة التي يُعذَر الإنسان عندها، إذ
(١) في الأصل: "الحرب" تصحيف.
(٢) الحديث بلفظ "أربع في أمتي ... "، أخرجه مسلم (٩٣٤) عن أبي مالك الأشعري.
(٣) "على" ليست في ع.
(٤) ع: "قتلهم".
هي محل فرح وسرور، كما رخّص في غناء النساء في الأعراس والأعياد ونحو ذلك، فلأن يُنهَى عنه في غير هذه الحال أولى وأحرى.
فصل
*قال صاحب الغناء: قد روى ابن طاهر المقدسي١ أن رجلًا أنشد بين يدي النبي ﷺ:
أقبلتْ فلاحَ لهاعارضانِ كالسَّبَجِ [٩٢ ب]
أدبرَتْ٢ فقلتُ لهاوالفؤادُ في وَهَجِ
هلْ عليَّ ويحَكماإن عَشِقْتُ من حَرجِ٣
فقال رسول الله ﷺ: "لا إن شاء الله"٤. وذكره أبو القاسم القشيري في رسالته٥، وهو نص في إباحة الغناء.
(١) لم أجد النص في كتاب "السماع" المطبوع، ولعله رواه في كتاب آخر.
(٢) في النسختين: "ثم أدبرت". وبه يختل الوزن.
(٣) البيت الأول بلا نسبة في "لسان العرب" (قضب) بقافية "كالبرد". والثالث لسيرين أخت مارية القبطية في "شرح شواهد المغني" للسيوطي (ص ٣٣٥)، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" (٨/ ٣٤٨).
(٤) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١١٥، ١١٦) عن ابن عباس. وفي إسناده حسين بن عبد الله، وهو متروك. وانظر "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢٠٧)، و"الفوائد المجموعة" (ص ٢٥٥).