*قال صاحب القرآن: هذا أيضًا من جِراب الكذب الذي فتحه البهَّاتون الكذابون١ الدجّالون، ولم يكن في القرون الثلاثة لا بالمدينة ولا بمكة ولا بالشام ولا باليمن ولا بمصر ولا خراسان ولا العراق، مَن يجتمع على هذا السماع المحدَث، فضلًا عن٢ أن يكون نظيره كان على عهد رسول الله ﷺ، ولا كان أحد يُمزِّق ثيابه من السلف الصالح، وهم كانوا أعلمَ بالله وأفقهَ في دينه من أن يُقدِموا على محرَّم في الشريعة باتفاق الأمة، وهو إتلاف المال وإضاعته، ويعدُّونه قربةً إلى الله تعالى، ولا كان فيهم رقَّاصٌ، بل لمَّا حدثَ التغبيرُ في أواخر المائة الثانية، وكان أهله من خيار طائفتهم، وكان مبدأ حدوثه من جهة المشرق التي منها يطلع قرن الشيطان، وبها الفِتَن٣، [٩٤ أ] قال الشافعي: "خلّفتُ ببغداد شيئًا أحدثتْه الزنادقة يسمّونه التغبير، يصدُّون به الناس عن القرآن".
فصل
*قال صاحب الغناء: قال أبو طالب المكي في كتابه "القوت"٤: "مَن أنكر السماعَ مطلقًا غيرَ مقيَّد فقد أنكر على سبعين صدّيقًا". هذا في
(١) "الكذابون" ليست في الأصل.
(٢) "عن" ليست في ع.
(٣) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٥١١، ٧٠٩٣) ومسلم (٢٩٠٥) عن ابن عمر.
زمانه، ولا ريبَ أن المنكر بعده يكون إنكاره على أضعاف هؤلاء.
*قال صاحب القرآن: إن كان قد حضره وفعله سبعون صدّيقًا، فقد أنكر١ عليهم سبعون وسبعون وسبعون٢ وأكثر، والمنكرون عليهم أعظم علمًا وإيمانًا وأرفعُ درجة، فليس الانتصار لطائفةٍ من الصديقين على نظائرهم، لاسيما على مَن هو أكبر منهم وأجلُّ وأكثر عددًا، بأَوْلَى من العكس، وحينئذ فيُعارَض قولك بما هو أولى منه.
ويقال: من أقرَّ على هذا السماع أو استحبه وأنكر٣ على مَن أنكره، فقد أنكر على سبعين وسبعين وسبعين وأكثر من الصديقين والعلماء.
وأيضًا فالذين حضروا هذا اللهو متأولين من أهل الصلاح والزهد والخير، غَمَرتْ حسناتُهم ما كان فيهم من السيئات والخطأ من هذا ومن غيره، وهذا سبيل كل٤ صالح في هذه الأمة في خطئه وزَلَلِه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ٣٣ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ٣٤ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الزمر: ٣٣ - ٣٥].