مسألة السماع

وهذا كالمتأولين من صالحي الكوفيين في النبيذ المُسْكِر وإن كان خمرًا، وكذلك المتأولين من صالحي أهل مكة [٩٤ ب] في المتعة والصرف، وإن كان سبيلهما سبيل الزنا والربا، وهم من١ أبعد الناس عن ذلك، وكذلك المتأولون في حِلِّ ما٢ حرَّمه الشارع من الأطعمة من أهل المدينة وغيرهم، وكذلك المتأولون في مسألة حشوش النساء، وكذلك المتأولون في القتال في الفتنة، إلى أمثال ذلك مما تأول فيه قوم من أهل العلم والدين، من مطعوم أو مشروب أو منكوح أو مسموع أو عقد ونحو ذلك، مما قد عُلِم أن الله ورسوله حرَّمه، لم يَجُز اتّباعُهم في ذلك، وإن كان مغفورًا لهم، ومن السعي الذي يُؤجَرون عليه لاجتهادهم أجرًا واحدًا، فالرب سبحانه يمحو السيئات بالحسنات، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات.

فصل

وها هنا أصل يجب اعتماده، وهو أن الله سبحانه عَصَم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، ولم يَعْصِم آحادها من الخطأ لا صدِّيقًا٣ ولا غيره، لكن إذا وقع في بعضها خطأ فلا بدَّ أن يقيم الله فيها مَن يكون٤

  1. (١) "من" ليست في ع.
  2. (٢) ع: "حل بعض ما".
  3. (٣) ع: "صديق".
  4. (٤) "الله فيها من يكون" ساقطة من ع.
251

على الصواب، لأن هذه الأمة شهداء الله في الأرض، وهم شهداء على الناس يوم القيامة، وهم خير أمةٍ أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلا بد أن تأمر بكل معروف وتنهى١ عن كل منكر، فإذا كان فيها مَن يأمر بمنكر متأولًا، فلابد أن يقيم الله فيها٢ مَن يأمر بذلك المعروف.

فأمّا الاحتجاج بفعل طائفة من الصديقين في مسألة نازعهم فيها مثلُهم أو أكثرُ منهم فباطل، بل لو كان المنازع لهم أقلَّ منهم عددًا وأدنى منزلةً، لم تكن الحجة مع أحدهما إلا بكتاب الله وسنّة [٩٥ أ] رسوله ﷺ، فإن الأمة أُمِرَتْ بذلك، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. فإذا تنازع الأمراء والعلماء والزهّاد والعبّاد في شيء، فعليهم جميعهم أن يردُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله.

ومن المعلوم أن الصديقين الذين أباحوا بعض المسكرات، والصديقين الذين استحلُّوا نكاحَ المتعة، واستحلُّوا الصَّرفَ، واستحلُّوا نكاح التحليل، واستحلُّوا بعض المطاعم التي حرَّمها الشارع، واستحلُّوا قتالَ أهل القبلة، هم أسبقُ من هؤلاء وأكبر٣ وخير منهم وأعلم بالله

  1. (١) ع: "يأمر ... ينهى". وضمير المؤنث للأمة.
  2. (٢) "فيها" ليست في ع.
  3. (٣) ع: "وأكثر".
252

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي